السؤال:

كنت اتحدث مع احد اخوتى حول حديث يؤذنى ابن ادم يسب الدهر فقال لى هل الزمان مخلوق ام لا فقلت له نعم مخلوق فقال لى اليس الزمان من افعال الله فعندها قلت له ان افعال الله مخلوقه فما هو حكم هذا الكلام

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فمن المعلوم بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأئمة أن الله تعالى متصف بالأفعال الاختيارية القائمة به، كالاستواء إلى السماء، والاستواء على العرش، والقبض، والطي، والإتيان، والمجيء، والنزول، والخلق، والإحياء، والإماتة، فإن الله تعالى وصف نفسه بالأفعال اللازمة كالاستواء، وبالأفعال المتعدية كالخلق، والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم، فإن الفعل لا بد له من فاعل، سواء كان متعدياً إلى مفعول أو لم يكن.

والفاعل لا بد له من فعل، سواء كان فعله مقتصراً عليه أم متعدياً إلى غيره.

والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله، إذ كان لا بد له من الفاعل.

وهذا معلوم سمعاً وعقلاً، وقد اطال شيخ الإسلام النفس جدا في هذه المسألة في أكثر كتب الردود سواء على المتكلمين أو الفلاسفة، ومنها بحثه الطويل في كتابه: "درء تعارض العقل والنقل".

ونقل فيها إجماع أهل السنة على أن من قال: "إن أفعال الله مخلوقة؛ أو يقول: إن القرآن محدث؛ أو يقول: إن شيئًا من صفات الله صفات الذات أو اسما من أسماء الله مخلوق: فهو جهمي يستتاب".

وقال "درء تعارض العقل والنقل" (2/ 147-148): "الناس في مسألة أفعال الله تعالى ثلاثة أقسام:

الجهمية المحضة من المعتزلة ومن وافقهم، يجعلون هذا كله مخلوقاً منفصلاً عن الله تعالى.

والكلابية ومن وافقهم: يثبتون ما يثبتون من ذلك: إما قديماً بعينه لازماً لذات الله، وإما مخلوقاً منفصلاً عنه.

وجمهور أهل الحديث وطوائف من أهل الكلام، يقولون: بل هنا قسم ثالث قائم بذات الله متعلق بمشيئته وقدرته، كما دلت عليه النصوص الكثيرة.

ثم بعض هؤلاء قد يجعلون نوع ذلك حادثًا، كما تقوله الكرامية، وأما أكثر أهل الحديث ومن وافقهم فإنهم لا يجعلون النوع حادثاً، بل قديماً، ويفرقون بين حدوث النوع وحدوث الفرد من أفراده". اهـ.

وقال في "اقتضاء الصراط المستقيم"(2/ 323):

 "وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم يقولون: إن أفعال الله قائمة به، وأن الخالق ليس هو المخلوق، وعلى هذا جمهور أصحاب أحمد والشافعي ومالك، وهو قول أصحاب أبي حنيفة، وقول عامة أهل الحديث، والصوفية، وطوائف من أهل الكلام والفلسفة". اهـ.

أما مسألة سب الدهر، فمعلوم أن فاعله لم يقصد سب الله سبحانه، وإنما يقصد أن يسب من فعل به ذلك الفعل، مضيفًا له إلى الدهر فيقع السب على الله؛ لأنه هو الفاعل في الحقيقة، وسواء على قول من قال إن الدهر اسم من أسماء الله تعالى، أو من قال إنه ليس باسم وإنما معنى: "أنا الدهر"، أن الله تعالى هو فاعل ما ينسبونه إلى الدهر، ومن ثمّ نصّ الأئمة على أن من سب الدهر لا يكفر ولا يقتل، وإنما يؤدب ويعزر.

قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد (2/ 323-324)

"فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله، منقاد لأمره مذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه... إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة.

أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه.

 وفي حقيقة الأمر، فرب الدهر تعالى هو المعطي المانع، الخافض الرافع، المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم للدهر مسبة لله عز وجل، ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى، كما في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر"، فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما، إما سبه لله، أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فقد سب الله.

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (2/ 491):

 "فقوله في الحديث: "بيدي الأمر أقلب الليل والنهار"، يبين أنه ليس المراد به أنه الزمان؛ فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار والزمان هو الليل والنهار؛ فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه، كما دل عليه قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ* يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ}[النور: 43-44]، فقد بين سبحانه خلقه للمطر وإنزاله على الأرض، فإنه سبب الحياة في الأرض، فإنه سبحانه جعل من الماء كل شيء حي ثم قال: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ}، إذ تقليبه الليل والنهار: تحويل أحوال العالم بإنزال المطر الذي هو سبب خلق النبات والحيوان والمعدن، وذلك سبب تحويل الناس من حال إلى حال المتضمن رفع قوم وخفض آخرين.

وقد أخبر سبحانه بخلقه الزمان في غير موضع كقوله: { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُ} [الأنعام: 1]، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33]، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } [الفرقان: 62]، وقوله: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]، وغير ذلك من النصوص التي تبين أنه خالق الزمان.

 ولا يتوهم عاقل أن الله هو الزمان؛ فإن الزمان مقدار الحركة، والحركة مقدارها من باب الأعراض والصفات القائمة بغيرها: كالحركة والسكون والسواد البياض. ولا يقول عاقل إن خالق العالم هو من باب الأعراض والصفات المفتقرة إلى الجواهر والأعيان؛ فإن الأعراض لا تقوم بنفسها بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به، والمفتقر إلى ما يغايره لا يوجد بنفسه، بل بذلك الغير فهو محتاج إلى ما به في نفسه من غيره فكيف يكون هو الخالق؟! . ثم أن يستغني بنفسه وأن يحتاج إليه ما سواه وهذه صفة الخالق سبحانه فكيف يتوهم أنه من النوع الأول؟". اهـ.

هذا؛ والله أعلم.