السؤال:

كيف يمكن الاعتماد على فتاوى من زمن بعيد جدا من فقهاء لم يعايشوا هذة الامور بمعنى انه من الصعب الاعتماد على رأى المذاهب الاربعه وكمان الاختلافات الغريبة بينهم فى نفس الموضوع وعن قول الرسول علية الصلاة والسلام انا عندى سؤال عن لماذا لايوجد فقهاء معاصريين يمكن الاعتماد عليهم وهم معايشيين الناس فى هذا الزمن

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - أما بعد:

فإن هذا السؤال من أهم الأسئلة لاشتماله على شبهة يجب على أهل العلم بيانها، ولفهم الجواب يجب بيان عدة قواعد شرعية، ليظهر وجه الجواب الذي في ظني أنه من البدهي الخفي، الذي ببيانه يصبح من البدهي الجلي:

الأولى: أن نصوص الكتاب والسنة تشمل جميع الأحكام التي نحتاج إليها، ولكن هذا يحتاج لقوة في الفهم والاستنباط، فمثلاً: قد ذكر الله تعالى في الآية الأولى من سورة الطلاق أكثر أحكام الطلاق، من الطلاق السني والبدعي والعدة، وهل الطلاق يلحق الطلاق أم لا، ولكن لمن أحسن الفهم وأجاد الاجتهاد، وتضلع من العلوم، وكذلك النصوص الواردة في الفرائض قليلة محصورة، ومع ذلك شملت جميع الأحكام، وما اختلف فيه أهل العلم فمسائل قليلة، ومن أخطأ فلتقصيره في فهم النصوص، فكم من حكم دلَّ عليه النصُّ ولم يفهم دلالتَه عليه، إلا العالم. 

فكل ما يحتاجه المسلم من العقائد والعبادات والمعاملات وغيرها، أنزله الله في كتابه، ونصّ عليه السلف الصالح، وكل ما استجد من مسائل، فالنص الصحيح يشمله، والقياس يشهد له.

القاعدة الثانية: أن الله تعالى أنزل الكتاب والميزان، فالنصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يُحِلْنا الله ورسوله على الرأي، بل قد بيَّن الأحكام كلها، والنصوص كافية وافيةٌ بها، والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص، ولكن قد تخفى دلالةُ النصّ أو لا تبلغُ العالمَ فيعدِل إلى القياس.

قال شيخ الإسلام في جامع المسائل لابن تيمية المجموعة الثانية (ص: 253)

"في شمول النصوص للأحكام وموافقة ذلك للقياس الصحيح؛ قال الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى: 17]، وقال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]، فأخبر أنه أنزل مع رسوله الكتاب والميزان؛ ليقوم الناس بالقسط، وقوله: {وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ} دليل على أن الميزان مما جاءت به الرسل، كما ذكر أنه أنزل الكتاب والحكمة، وأنه أوحى القرآن والإيمان في قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } [الشورى: 52].

وقال (ص: 272):

"والمقصود هنا أن نقول: النصوص محيطة بجميع أحكام العباد، فقد بين الله تعالى بكتابه وسنة رسوله جميع ما أمر الله به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله وجميع ما حرمه، وبهذا أكمل الدين، حيث قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، ولكن قد يقصر فهم كثير من الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص، والناس متفاوتون في الأفهام، ولذلك قال تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79]، ولو كان الفهم متماثلاً لما خُص به، وكذلك في كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القضاء إلى أبي موسى الأشعري: "الفهمَ الفهمَ فيما أُدلي إليك"، وفي الحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه: "إلا فهما يؤتيه الله عبدًا في كتابه"، وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه: وكان أبو بكر رضي الله عنه أعلمنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم، وفي الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا لابن عباس رضي الله عنه فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". اهـ.

القاعدة الثالثة: أن من تدبر الشريعة أدرك أن أحكام عامة افعال العباد معلومة وليست مظنونة، وأن المظنون فيها قليل جدًا ولله الحمد، والعلم بها ممكن وحاصل لمن اجتهد واستدل بالأدلة الشرعية عليها، وإن كان أهل الاجتهاد قليلون، ولكن يعوض هذا أن أكثر مسائل الشرع قطعية قام الدليل عليها، ونص عليه الفقهاء، فالعقائد أكثرها قطعي مجمع عليه، ولم يختلف الصحابة إلا في مسألتين، وفي أبواب الفقه أكثر مسائل الطهارة مجمع عليها وكذلك في أبواب الحيض أكثر الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال النساء في الحيض معلومة، وكذلك أبواب الصلاة والزكاة والصوم والحج والبيوع، وغيرها، ومن انتصب ليفتي الناس إنما يفتيهم بأحكام معلومة متفق عليها مائة مرة حتى يفتيهم بالظن مرة واحدة، ولذلك كان النقل عن الأئمة السابقين في محلة، وإذا راجع الأخ السائل أي فتوى لنا أو لغيرنا من أهل العلم، لأيقن أن النقل في محله في غالب المسائل، والمسائل الجديدة تحتاج إلى: "تحقيق المناط " و "تنقيح المناط" و " تخريج المناط " وهي جماع الاجتهاد.

 كما تحتاج إلى انزال النص على الحادثة، كما تجده لنا ولغيرنا في المسائل والحوادث الجديدة سواء في الطب أو الاقتصاد أو غيرهما.   .

وقد بين تلك القاعدة شبخ الإسلام في كتابه "الاستقامة" (1/ 59):

"فإن قال قائل مسائل الاجتهاد والخلاف في الفقه كثيرة جدًا في هذه الأبواب،

قيل له مسائل القطع والنص والإجماع بقدر تلك أضعافًا مضاعفة، وإنما كثرت لكثرة أعمال العباد، وكثرة أنواعها؛ فإنها أكثر ما يعلمه الناس مفصلاً، ومتى كثر الشيء إلى هذا الحد كان كل جزء منه كثيرًا، من ينظرها مكتوبة فلا يرتسم في نفسه إلا ذلك".

أما الفقهاء المعاصرون، فمتواجدون، ويفتون الناس في كل ما يحتاجون إليه، ولكنهم بلا شك قليلون، كما توجد المجامع الفقهية، وتستوعب الكثير من علماء المسلمين المجتهدين، فيعوض الاجتهاد الجماعي الضعف في الاجتهاد الفردي، لا سيما في المسائل الجديدة، فينتفع بهم عامة الناس والعلماء، وذلك تصديقًا لقوله صلى الله عليه وسلم - بقوله: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم لساعة"؛ رواه سلم.

والناظر في قرارات المجامع الفقهية يجدهم كما يعتمدون على الدلائل الشرعية، يعتمدون أيضًا على كلام الأئمة المجتهدين المحققين السابقين، ومن أنصف من نفسه واعتبر بعامة العلوم الدنيوية، لوجد ذلك موجودًا في كل علم، من الطب والهندسة والكمياء والرياضيات، وغيرها، أعني بناء الجديد على القديم.

إذا تقرر هذا فلا يوجد في دنيا الناس علم ديني أو دنيوي منبت عما قبله ألبتة، وإنما كل متصل بما قبله،، والله أعلم.