قال الإمام البيهقي: يجب أن يُعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج، ولا استقرار في مكان، ولا مماسة لشيء من خلقه، لكنه مستو على عرشه، كما أخبر بلا كيف، بلا أين، بائن من جميع خلقه، وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان، وأن مجيئه ليس بحركة، وأن نزوله ليس بنقلة، وأن نفسه ليس بجسم، وأن وجهه ليس بصورة، وأن يده ليست بجارحة، وأن عينه ليست بحدقة. وأنا أتبع البيهقي، وأنزه الله عن الحركة، والقيام، والقعود، والاعوجاج، والاعتدال، وأشباههما من صفات المحدثات، وأطمئن إلى قول البيهقي، فهل عقيدتي صحيحة؟ وهل أنا مصيب ولا شيء عليّ؟ وهل لي الحق في ذلك؟ وما حكم عقيدتي؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فنسأل الله تعالى أن يشرح للحق صدورنا، وأن يسدد به ألسنتنا وأقلامنا.

وأما سؤالك: فينبغي أن يفتتح جوابه بالتنبيه على عقيدة الإمام البيهقي، فإنه مع منزلته في العلم ـ رحمه الله ـ إلا إنه كان على مذهب الأشاعرة، وإن كان خالفهم في مسائل وافق فيها مذهب السلف، فكان له بذلك فضل على غيره؛ ولذلك يصفه شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول في مجموع الفتاوى: فضلاء الأشعرية: كالباقلاني، والبيهقي. اهـ.

وقال في شرح العقيدة الأصفهانية: بل والحافظ أبو بكر البيهقي، وأمثاله أقرب إلى السنة من كثير من أصحاب الأشعري المتأخرين الذين خرجوا عن كثير من قوله إلى قول المعتزلة، أو الجهمية، أو الفلاسفة. اهـ.

وكتاب الاعتقاد للإمام البيهقي الذي ذكر فيه الكلام الذي نقله السائل، مبني في كثير من مواضعه على مذهب الأشاعرة؛ ولذلك لما طلب الشيخ ابن باز من الشيخ عبد الرزاق عفيفي تقريرًا عن كتاب الاعتقاد للبيهقي، كتب معلقًا عليه بقوله: قرأت الكتاب فوجدته موافقًا للسلف في مواضع كثيرة، ومخالفًا لهم في أخرى، وسأجمل فيما يلي ما يؤخذ عليه مما خالف فيه السلف في العقيدة... اهـ. وذكر من جملة هذه المآخذ، الموضع الذي نقله السائل، فقال: ذكر في الاستواء طريقتين: طريقة التفويض في معناه مع نفي الكيفية، وطريقة حمله على وجه يصح استعماله في اللغة ـ وأتبع ذلك نفيًا تفصيليًا للكيفية في الاستواء، وفي النزول، وفي المجيء والإتيان... إلخ ص 57، وأحال في ذلك على كتاب الأسماء والصفات. اهـ. ص: 8.

وقد قام الأستاذ الدكتور عبد الرحمن المحمود بالتقديم والتعليق على نسخة محققة من كتاب الاعتقاد، فقال زيادة على ما ذكره الشيخ عبد الرزاق عفيفي تعليقًا على قول البيهقي: بلا أين ـ هذا ينافي ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الله على العرش استوى، استواء يليق بجلاله، وعظمته تعالى، فهو تعالى في السماء، مستو على عرشه، ونفي بأين نفي للعلو، وكيف ينفى وقد ثبت به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الجارية المشهور الوارد في الصحيح وغيره؟!. اهـ.

ثم تناول الموضع الذي نقله السائل بالنقد، فقال: قول البيهقي: وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان، وأن مجيئه ليس بحركة، وأن نزوله ليس بنقلة، وأن نفسه ليس بجسم، وأن وجهه ليس بصورة، وأن يده ليست بجارحة، وأن عينه ليست بحدقة ـ يقال: هذه الطريقة في الإثبات مع نفي التشبيه ليس منهجًا للسلف ـ رحمهم الله تعالى ـ بل هي منهج لأهل البدع، والسلف يثبتون هذه الصفات مع نفي التشبيه، ولا يدخلون في التفصيل المنفي الذي قد يؤدي إلى تعطيل الصفة، فهذه العبارات التي ذكرها البيهقي اشتملت على ثلاثة أشياء:

1ـ ما هو باطل مؤد إلى تعطيل الصفة، كقوله: وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان ـ فقد ثبت أن الله تعالى يأتي يوم القيامة لفصل القضاء، فنثبت هذا ولا نكيّفه، ومعلوم أنه قد دلت الأدلة على أن الله يقرب من عباده، وأن عباده يقربون منه، كما حدث للمصطفى صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، ومثله قوله: وأن وجهه ليس بصورة ـ وقد ثبت حديث الصورة..

2ـ ما هو من الألفاظ المجملة التي لا تثبت، ولا تنفى، لاحتمال معانيها الحق والباطل، مثل قوله: وأن نفسه ليست بجسم ـ فالجسم لفظ مجمل كما هو معلوم، فنفيه مطلقًا هكذا قد يدخل فيه ما هو حق من إثبات الوجه، واليدين، والعين، والرجل لله تعالى.

3 ـ ما هو من النفي التفصيلي الذي لم يرد عن السلف، والنفي هكذا قد يكون سُلّمًا لأهل التعطيل أن يعطلوا صفات الله تعالى، كقوله: وأن مجيئه ليس بحركة، وأن نزوله ليس بنقلة، وأن عينه ليست حدقة، وأن يده ليست بجارحة ـ فهذا النفي من طرائق أهل البدع، وأهل السنة يثبتون هذه الصفات كما يليق بالله تعالى من غير تعطيل، ولا تكييف، ولا تحريف، ولا تشبيه. اهـ.

وراجع للفائدة عن تفصيل الجزئيات الواردة في ، الفتاوى التالية أرقامها: 6707، 66332، 283111، 128296، 77605، 2359، 199975.

ولمزيد الفائدة عن عقيدة البيهقي ـ رحمه الله ـ يمكن الرجوع إلى أطروحة الدكتواره للشيخ أحمد بن عطية الغامدي: البيهقي وموقفه من الإلهيات.

والله أعلم.