كنت أتكلم أنا وزوجي عن البعوض، وأن الله أرسله إلي بني فرعون. فقال زوجي: إن الله قد أرسل عليهم أيضا البراغيث، فقلت له: من قال ذلك؟ فقال زوجي إنه يخمن ذلك الأمر، ثم اليوم أخذت أبحث في تفسير الآية؛ فوجدت أن هناك من قال إن القمل هو البرغوث، ولم أجد أن الله قد أرسل عليهم البعوض. الأول: أريد أن أعرف حكم أن يقول زوجي إن الله أرسل عليهم البراغيث، على سبيل التخمين، فزوجي لم يكن يعرف ذلك أصلا، ولكنه خمن ذلك فقط، خمن دون أن يعرف أن أحد المفسرين قال إن القمل هو البراغيث، وكان يتصور أن القمل هو حشرات الرأس، وليس البراغيث. فهل ما قاله زوجي يعتبر كفرا بالله؛ لأنه قال على الله ما لا يعلم، ونسب لله فعل شيء، وهو إرسال البراغيث إلى بني فرعون، دون أن يعلم أن القمل هو البرغوث عند أحد المفسرين. فأنا قرأت، وعلى حسب فهمي، أن من نسب لله قولا، أو حكما بدون علم، فقد كفر. وإذا كان ذلك كفرا. هل هو كفر أكبر أم كفر أصغر؟ الثاني: عندما قال زوجي إنه يخمن أن الله أرسل عليهم البراغيث، نبهته إلى أني لا أعرف حكم الكلام عن هذه الأمور الغيبية. فقال لي إن ذلك ليس حراما. أخاف أن يكون بذلك حلل حراما، ويكون قد كفر. فما حكم ذلك؟ وهل زوجي قد كفر وخرج من الملة، بقوله إن ذلك ليس حراما، فبذلك قد يكون حلل حراما؟ فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فقد أبعدت السائلة النجعة، وتجاوزت الحد، وبالغت في مسألة التكفير. ويحتمل أن يكون ذلك من آثار الوسوسة المذمومة في باب الكفر!

 وعلى أية حال، فليس كل قول على الله تعالى بغير علم، يعد كفرا وإن كان إثما، وخِطْئًا كَبِيرًا. وليس كل من حرَّم حلالا، أو أحلَّ حراما، أو أفتى بغير علم، يكفر بذلك. بل ليس كل من قال كفرا، يخرج من الملة، حتى تتحقق فيه شروط التكفير، وتنتفي موانعه! وقد سبق لنا بيان متى يكون القول على الله بغير علم شركاً، أو أعظم من الشرك، وذلك في الفتوى رقم: 277186.

ثم إننا نسأل السائلة: لماذا لا يتوجه سؤالها على البعوض، كما توجه على البرغوث، فقد ذكر هو الآخر في تفسير الآية، وليس الأمر كما نفته السائلة.

  قال الراغب في (المفردات في غريب القرآن): القمل: صغار الذباب، قال تعالى: {وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ}. اهـ.

وجاء في (تفسير المنار): جزم الراغب بأن القمل صغار الذباب، وهو موافق لما في التوراة، ففيها أن البعوض، والذبان كان من الضربات العشر، التي ضرب الرب بها فرعون وقومه. اهـ.
وذكره المراغي في تفسيره.
والذي لا بد من الاهتمام به هنا: هو التنبيه على أن الحكم بكفر شخص معين، ليس بالأمر الهين، وأن مسائل التكفير لا يجوز الكلام فيها بالتوهم والظنون، ولا يتكلم فيها إلا أهل العلم.

وقد تقرر في الشريعة أن من ثبت إسلامه بيقين، لا يزول إسلامه إلا بيقين، وأن الأصل بقاء ما كان، على ما كان، فلا يكفر المسلم إلا إذا أتى بقول، أو بفعل، أو اعتقاد دل الكتاب والسنة على كونه كفراً أكبر، مخرجا من ملة الإسلام، أو أجمع العلماء على أنه كفر أكبر، ومع ذلك، فلا يحكم بكفر المعين، إلا إذا توفرت فيه شروط التكفير، وانتفت عنه موانعه، ومن ذلك أن يكون بالغاً عاقلاً، مختاراً، غير معذور بجهل، أو تأويل، ولذلك لا يقع الكفر على كل من وقع في الكفر.

وراجع في ذلك الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 721، 53835، 65312.

 والله أعلم.