السؤال:

السلام عليكم ماالسبيل للثبات على التقوى وكيف مجاهدة النفس والشيطان جزاكم الله خيرا وجعلنا من اهل الجنة

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فإن لثَّبات على دِين الله والاستِقامة على شرعه مطلَبُ كلِّ مسلِم صادِق يُرِيد اللهَ واليومَ الآخِر ويخشى عذابه، والله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن معه من المؤمنين، أن يستقيموا فيسلكوا ما شرعه الله من الشرائع، ويعتقدوا ما أخبر الله به من العقائد ولا يزيغوا عن ذلك يمنة ولا يسرة، ويدوموا على ذلك، ولا يطغوا بأن يتجاوزوا ما حده الله لهم من الاستقامة؛ فقال سبحانه: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112].

والاستقامة: الاعتدال والمضي على النهج دون انحراف، وهو في حاجة إلى اليقظة الدائمة، والتدبر الدائم، والتحري الدائم لحدود الطريق، دون إفراط ولا غلو، فالإفراط والغلو يخرجان هذا الدين عن طبيعته كالتفريط والتقصير.

أما وسائل الثبات على الاستقامة فهي كثيرة منها:

منها: الدعاء بالهداية والاستِقامة والثَّبات عليهما؛ فالله - تعالى - بفضله ورحمته جعَل الدعاء من أعظم الأسباب الجالبة للخير، المانعة من الشر، وهذا مسلكُ المؤمنين، كما حكَى الله عنهم في القرآن الكريم؛ قال - سبحانه -: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8]، وقال - تعالى -: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [البقرة: 250].

وكان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: "يا مقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك"؛ رواه الترمذي عن أنس - رضِي الله عنه.

منها: قراءة القرآن بتدبُّر؛ فالله - تعالى - يقول: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32].

{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27].

منها: الابتِعاد عن المعاصي والذنوب جملةً، ولا يعني هذا أن يصير المسلم معصومًا، ولكن كلَّما استخفَّكِ الشيطان وقهرَتْك نفسك، فافزَعِي إلى الله بالتوبة.

منها: المحافظة على واجبات الشريعة، لا سيَّما الصلاة في أوقاتها، وعدم التفريط في شيءٍ منها، مع الالتِزام بسائر أحكام الشرع؛ فالله - سبحانه - يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66]، أي: ما وظف عليهم في كلِّ وقت بحسبه، فبذلوا هممهم، ووفَّروا نفوسهم للقِيام به وتكميله، ورتَّب ما يحصل لهم على فعل ما يُوعَظون به الهداية إلى صِراط مستقيم، وهي متضمِّنة للعلم بالحق ومحبَّته وإيثاره والعمل به، وتوقف السعادة والفلاح على ذلك، فمَن هُدِي إلى صراط مستقيم فقد وُفِّق لكلِّ خير، واندَفَع عنه كلُّ شر وضير.

منها: قراءة سيرة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقصص الأنبياء والصحابة والتابعين والصالحين، ففيها عِبَرٌ وحياةٌ للقلب؛ كما قال - تعالى -: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120].

منها: اختِيار صحبة صالحة من المؤمنين، فهذا ممَّا يشدُّ الأزر في الالتِزام والتمسُّك بالدين، وعلى قمع نوازع الشر في النفس؛ ففي الصحيحين عن أبي موسى - رضِي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "مثَل الجليس الصالح والجليس السوء كمَثَل صاحب المسك وكير الحدَّاد، لا يَعدَمك من صاحب المسك إمَّا تشتريه أو تجد ريحَه، وكير الحدَّاد يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحًا خبيثة".

ومنها: عدم الانبساط مع أهل المعاصي، والانعزال عنهم شعوريًا لمن يحتاج إلى الاختلاط به، هذا ما أرشد إليه الأئمة قال الإمام ابن القيم في كنابه "مدارج السالكين" (2/ 338)

"... فهو حفظ حالك وقلبك مع الله، ودوام إقبالك عليه بقلبك كله، فأنت معهم مسترسل بشبحك ورسمك وصورتك فقط، ومفارقتهم بقلبك وسرك، مشاهدا للمعنى الذي به حياتك، فإذا فارقته كنت كالحوت إذا فارق الماء، فإن هذا المعنى هو حياة القلب والروح، فإذا فات العبد علته الكآبة، وغمره الهم والغم والأحزان، وتلون في أفعاله وأقواله، وتاه قلبه في الأودية والشعاب، وفقد نعيم الدنيا والآخرة".

وقال الإمام أبو عمر ابن عبدالبر في التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (17/ 446)

"وقد جعلت طائفة من العلماء العزلة اعتزال الشر وأهله بقلبك وعملك وإن كنت بين ظهرانيهم، ذكر ابن المبارك قال حدثنا وهيب بن الورد قال: جاء رجل إلى وهب بن منبه فقال: إن الناس قد وقعوا فيما فيه وقعوا، وقد حدثت نفسي أن لا أخالطهم، فقال: لا تفعل؛ إنه لابد لك من الناس ولا بد لهم منك، ولك إليهم حوائج ولهم إليك حوائج، ولكن كن فيهم أصم سميعًا أعمى بصيرًا، سكوتًا نطوقًا، وقال ابن المبارك في تفسير العزلة أن تكون مع القوم فإذا خاضوا في ذكر الله فخض معهم وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت".

بومنها: إدمان ذكر الله الله تعالى فإنه يقوى القلب والبدن، ويزيد اليقين في الله تعالى والتوكل عليه، ومن أعظمه المواظبة على قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإن بها تكابد الأهوال وتنال رفيع الدرجات.

قال في الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 77)

أن الذكر يعطي الذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه، وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابه أمراً عجيباً، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعه وأكثر، وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمراً عظيماً، وقد علم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنته فاطمة وعلياً رضي الله عنهما أن يسبحا كل ليلة إذا أخذوا مضاجعهما ثلاثاً وثلاثين، ويحمدا ثلاثاً وثلاثين، ويكبرا أربعاً وثلاثين، لما سألته الخادم وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي والخدمة، فعلمها ذلك وقال: "إنه خير لكما من خادم" فقيل أن من داوم على ذلك وجد قوة في يومه مغنيه عن خادم.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يذكر أثراً في هذا الباب ويقول: إن الملائكة لما أمروا بحمل العرش قالوا: يا ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك؟ فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قالوا حملوه.

وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معالجة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق، والدخول على الملوك، ومن يخاف، وركوب الأهوال.

 وكان حبيب بن سلمة يستحب إذا لقي عدواً أو ناهض حصناً قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنه ناهض يوماً حصناً للروم فانهزم، فقالها المسلمون وكبروا فانهدم الحصن".

أما مجاهدة النفس فهو استفراغ الطاقة والوسع في مخالفة النفس والشيطان؛ وقد وعد الله بالعون على ذلك فقال وتعالى -: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

وقد أحسن الإمام ابن القيم في بيات ذلك - في معرض كلامه عن هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد والمغازي والسرايا والبعوث -

 فقال في كتابه "زاد المعاد"(3/ 5):

".... ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"، كان جهاد النفس مقدمًا على جهاد العدو في الخارج، وأصلاً له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولاً لتفعل ما أمرت به، وتترك ما نهيت عنه، ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله؟!

 بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج.

فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما، وبينهما عدو ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما، ويخذله ويرجف به، ولا يزال يخيل له ما في جهادهما من المشاق وترك الحظوظ وفوت اللذات والمشتهيات، ولا يمكنه أن يجاهد ذينك العدوين إلا بجهاده، فكان جهاده هو الأصل لجهادهما، وهو الشيطان، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا } [فاطر: 6]، والأمر باتخاذه عدوًا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته، ومجاهدته؛ لأنه عدو لا يفتر ولا يقصر عن محاربة العبد على عدد الأنفاس.

فهذه ثلاثة أعداء، أمر العبد بمحاربتها وجهادها، وقد بُلي بمحاربتها في هذه الدار، وسلطت عليه امتحانًا من الله له وابتلاء، فأعطى الله العبد مددًا وعدة وأعوانًا وسلاحًا لهذا الجهاد، وأعطى أعداءه مددًا وعدة وأعوانًا وسلاحًا، وبَلا أحد الفريقين بالآخر، وجعل بعضهم لبعض فتنة ليبلو أخبارهم، ويمتحن من يتولاه ويتولى رسله ممن يتولى الشيطان وحزبه، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا } [الفرقان: 20]...

وأمرهم أن يجاهدوا فيه حق جهاده، كما أمرهم أن يتقوه حق تقاته، وكما أن حق تقاته أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، فحق جهاده أن يجاهد العبد نفسه ليسلم قلبه ولسانه وجوارحه لله، فيكون كله لله وبالله لا لنفسه ولا بنفسه، ويجاهد شيطانه بتكذيب وعده، ومعصية أمره، وارتكاب نهيه، فإنه يعد الأماني ويمني الغرور، ويعد الفقر ويأمر بالفحشاء،

وينهى عن التقى والهدى والعفة والصبر، وأخلاق الإيمان كلها، فجاهده بتكذيب وعده، ومعصية أمره، فينشأ له من هذين الجهادين قوة وسلطان، وعدة يجاهد بها أعداء الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله؛ لتكون كلمة الله هي العليا". اهـ. مختصرًا.

هذا؛ والله أعلم.