الجواب : 

الحمد لله

أولا:

جاء في صحيح مسلم (728) من طريق دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِحَدِيثٍ يَتَسَارُّ إِلَيْهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ ، تَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : ( مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ،  بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ ) .

قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ : فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ عَنْبَسَةُ :  فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ : مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ ، وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ : مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ .

وفي رواية شُعْبَة ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : ( مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنتي عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا ، غَيْرَ فَرِيضَةٍ ، إِلَّا بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ، أَوْ إِلَّا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ ) .

قَالَتْ أَمُّ حَبِيبَةَ : ( فَمَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ ) وقَالَ عَمْرٌو: ( مَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ ) ، وقَالَ النُّعْمَانُ مِثْلَ ذَلِكَ.

وقد جاء بيان هذه الركعات مفصلاً في روايات أخر ، منها :

ما جاء عند الترمذي (415) عن أم حبيبة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ ، أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ) ، قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، وصححه الشيخ الألباني في " صحيح سنن الترمذي ".

وما جاء عند الترمذي (414)، والنسائي (1794) ، وابن ماجه (1140)، من حديث عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ ) وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (6183).

وهذه الأحاديث تدل على أن المراد بالثنتي عشرة ركعة : السنن الرواتب ، وهي : ركعتان قبل الفجر ، وأربع ركعات قبل الظهر وركعتان بعده ، وركعتان بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء .

وأكثر الروايات عن أم حبيبة جاءت بلفظ : ( فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ) ، أي في مجموعهما ، إلا ما جاء في سنن النسائي (1799) عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، قَالَ : " قَدِمْتُ الطَّائِفَ فَدَخَلْتُ عَلَى عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ بِالْمَوْتِ فَرَأَيْتُ مِنْهُ جَزَعًا ، فَقُلْتُ : إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ ، فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِي أُخْتِي أُمُّ حَبِيبَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ صَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِالنَّهَارِ، أَوْ بِاللَّيْلِ بَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ) ، وصحح إسناده الألباني في "صحيح سنن النسائي".

فجاءت هذه الرواية بالتخيير ، أي من صلاها في النهار أو في الليل حصل على هذا الأجر .

ولذلك كان عطاء بن أبي رباح ، وهو ممن روى هذه الرواية يصلي هذه الركعات دفعة واحدة ، كما جاء في "سنن النسائي" (1797) ، عن ابْنُ جُرَيْجٍ قال : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : بَلَغَنِي أَنَّكَ تَرْكَعُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، مَا بَلَغَكَ فِي ذَلِكَ ؟

قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ ، حَدَّثَتْ عَنْبَسَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ رَكَعَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، سِوَى الْمَكْتُوبَةِ: بَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ) ، قال الألباني : صحيح لغيره .

فعطاء وهو أحد رواة الحديث ، فَهِمَ أنه يجوز صلاة الثنتي عشرة ركعة دفعة واحدة في النهار أو في الليل ؛ ولذلك كان يصليها قبل الجمعة دفعة واحدة .

ولكن الصحيح في المراد بها : أنها السنن الرواتب ؛ لما ثبت من الأحاديث المرفوعة الصحيحة ما يدل على ذلك . 

ومن أخذ برواية النسائي السابقة ، واقتدى بعطاء في فعله ، فصلى ثنتي عشرة ركعة دفعة واحدة في الليل أو النهار بنية تحصيل هذا الأجر ؛ فهو محل تردد ، واحتمال .

والأقرب : أن الركعات المجملة في الحديث ، والتي رتب عليها الأجر المذكور : قد بينتها الأحاديث الأخرى المفصلة ، وذكرت أنها هي السنن الراتبة مع الصلوات الخمس .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" وفي الصحيح ، عن أم حبيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة بنى الله له بيتا في الجنة} ".

وجاء مفسرا في السنن: {أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر} .

فهذه هي السنن الراتبة التي ثبتت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله. مدارها على هذه الأحاديث الثلاثة: حديث ابن عمر وعائشة وأم حبيبة.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بالليل: إما إحدى عشرة ركعة وإما ثلاث عشرة ركعة فكان مجموع صلاته بالليل والنهار فرضه ونفله نحوا من أربعين ركعة " انتهى من "مجموع الفتاوى" (24/200) .
 

ولا شك أن الأفضل ، على كل حال ، لمن جعل له وردا يحافظ عليه : أن يكون ورده موافقا لما ثبت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم .

وعلى ذلك : فاجعلي صلاتك من الليل ، مثنى مثنى ، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وصلي من الليل ما كتب الله لك أن تصلي ، فإذا خشيت طلوع الصبح ، أو خشيت أن يغلبك النوم : فأوتري ما صليت بركعة ، أو بثلاث ركعات .

وإن أحببت أن تجعلي لنفسك وردا ثابتا ، من صلاة الليل ، فاجعلي ذلك حسبما تطيقين .

وإن أطقت أن يكون وردك : إحدى عشرة ركعة ، فهو أفضل ، ليكون موافقا لغالب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من الليل .

واجعلي الثنتي عشرة ركعة ، هي رواتب الصلاة ، كما ثتب ذلك في الروايات الأخرى ، فهذا أكمل ، وأحرى أن يصيب الأجر ، ويوافق السنة .

وإن شئت أن تجعلي لك وردا من الضحى ، فهو خير وبركة ، إن شاء الله .

ثانيًا:

صلاة الليل غير محصورة بعدد معين ، فمن شاء قامها بإحدى عشرة ركعة وهو الأفضل ، ومن شاء زاد أو نقص ، ولا شيء في ذلك ، بل في كل خير - إن شاء الله - .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" (23/113) : " وقال طائفة : قد ثبت فى الصحيح عن عائشة " أن النبى لم يكن يزيد فى رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة ". 

واضطرب قوم فى هذا الأصل ؛ لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين ، وعمل المسلمين .

والصواب : أن ذلك جميعه حسن ، كما قد نص على ذلك الإمام أحمد رضى الله عنه ، وأنه لا يتوقت [أي : لا يحدد] فى قيام رمضان عدد ، فإن النبى لم يوقت فيها عددا " انتهى .

وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى- في "مجموع الفتاوى" (11/322) : " وثبت عن عمر رضي لله عنه أنه أمر مَنْ عَيَّنَ من الصحابة : أن يصلي إحدى عشرة ، وثبت عنهم أنهم صلوا بأمره ثلاثا وعشرين ، وهذا يدل على التوسعة في ذلك ، وأن الأمر عند الصحابة واسع ، كما دل عليه قوله عليه الصلاة والسلام : ( صلاة الليل مثنى مثنى ) " انتهى .

وينظر جواب السؤال رقم:(9036) (38021).

فلا حرج في الزيادة في قيام الليل على إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة ركعة. على ما سبق بيانه .

والله أعلم.