أنا في عمر 18، مخطوبة، وأبي لا يصلي، ويجاهر بالمعصية، وظالم لي، وقد رفع يده عليَّ، ويدعو عليَّ بالأدعية السيئة الخبيثة، مثل: "جاءتك الأمراض"، "جاءك السرطان"، وكان يدعو عليَّ بعدم التوفيق لا في الحياة الدنيا، ولا في الحياة الآخرة، ويدعو في المطر، ويدعو عليَّ في كل وقت بأدعية يستعيذ منها المسلم، فهل يستجاب دعاؤه وهو ظالم، ولا يصلي، ويجاهر بالمعصية؟ وأنا خائفة أن تأتيني أمراض، وأن لا أوفّق في حياتي، وأن يحسدني على أقل الأشياء -مثل ذكائي- فهو يخبر الكل عن نسبتي، ولا ترى في وجهه السعادة إذا أتيت بدرجات عالية، وأنا من كثرة دعائه عليَّ، والتفريق بيني وبين أخواتي، وعندما أتذكر كلامه، وضربه، أصبحت لا أحبه، ولا أريد الجلوس معه، فهل هذا عقوق؟ وأنا ألبّي طلباته دون أية مشاعر، فهل هذا عقوق؟ وهل تستجاب دعواته؟ مع العلم أني أكثر منفعة له من أخواتي في كل شيء يريده، وأول ما ينادي باسمي، وإذا غضب، فإنه يفرغ الطاقة السلبية عليَّ.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فإن كان أبوك يدعو عليك بغير حقّ، فلا يستجاب دعاؤه عليك، قال المظهري -رحمه الله- في المفاتيح في شرح المصابيح: وإنما يكون قبول هذا الدعاء إذا صدر عن الولد عقوقٌ؛ أي: مخالفة أمر الوالد فيما يجب على الولد طاعته، فإذا خالفه الولد، يكون الوالدُ مظلومًا، فيستجابُ دعاؤه. اهـ. وقال المناوي -رحمه الله- في شرح الجامع الصغير: وما ذكر في الوالد محله في والد ساخط على ولده لنحو عقوق. انتهى.

وإذا كنت لا تعقين أباك، ولا تقصرين في حقّه، فلا حرج عليك فيما تجدينه في نفسك من ضعف المحبة له، جاء في فتاوى نور على الدرب للشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: هذه السائلة تقول: فضيلة الشيخ، من المسلّم به بأن الحب هو شيء خارج عن إرادة الإنسان وليس بيده، فهل يأثم الشخص إذا كان يحب أحد الوالدين دون الآخر ...؟

فأجاب -رحمه الله تعالى-: نعم، الأمر كما قالت السائلة: إن الإنسان لا يملك الحب أو البغض، فهو أمر يضعه الله تعالى في القلب، لكن الإنسان يجب عليه ألا يتأثر بهذا الحب إلا بمقدار الحكم الشرعي. انتهى.

وأمّا هجره، أو الإساءة إليه، فلا يجوز، مهما كان حاله، لكن عليكم أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر برفق، وأدب، ولا سيما في ترك الصلاة، فإن الصلاة أعظم أمور الدين بعد الإيمان، ولا حظ في الإسلام لمن تركها، ومن ضيعها، فهو لما سواها أضيع، وقد سئل الشيخ بن عثيمين -رحمه الله -: نحن أربعة إخوة قد هدانا الله على يد أخي الأكبر، ولكنَّ أبي يسبُّنا ويلعننا، وقد تحملناه، وصبرنا على إيذائه لنا أربع سنوات، مع العلم أنه يوالي بعض الناس الذين يعينونه على المعاصي، ولا يحافظ على الصلاة، بل أحيانًا يتركها بالمرة، وفي النهاية: تركنا البيت، وهجرناه، فهل نأثم في ذلك، مع العلم أننا نصلُ أمَّنا؟

فأجاب -رحمه الله-: الواجب عليكم أن تسألوا الله الهداية لأبيكم، وأن تناصحوه دائمًا، ولا يحل لكم أن تهجروه، ولا أن تعقُّوه؛ لأن الله تعالى قال: (وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) {لقمان:14-15}، فهذه الصورة التي ذكرها الله عز وجل يبذلان الجهد في ولدهما أن يشرك بالله، ومع ذلك يقول الله عز وجل: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)، فعليك أن تبرَّ والديك، وربما يكون برُّك لهما سببًا في صلاحهما. انتهى من "اللقاء الشهري".

والله أعلم.