إنه لا يخفى على أحد عظم نعمة الغيث الذي يغيثنا الله عز وجل ويمن علينا بها: ينتشر في بلدنا أمر يتعلق بتصريف مياه الأمطار على مستوى الفرد والمسؤولين عن الخدمات العامة، وهو التخلص من مياه الأمطار بشبك مصارفها مع مياه الصرف الصحي مباشرة، مع حاجة بلدنا الماسة لهذه الأمطار، واعتماد كثير من المزارعين على جريان الأودية والقنوات المائية التي تتغذى بشكل رئيس من هذه الأمطار بفضل الله عز وجل، فقلت لأحد الإخوة بأن هذا خطأ كبير وكفران بالنعمة أن نقوم بهذا العمل فهو يمثل إتلافا لهذه المياه بدلا من أن نحاول بناء صرف للمياه بحيث تصب في الوديان أو تركها لتنساب في الوديان والأراضي وتغذية المياه الجوفية، فهل كلامي صحيح فيما يتعلق بهذه المسألة؟ وكذلك في البيوت الذين يقومون بنفس العمل مع أن هناك خسارة المياه نفسها وزيادة حجم الماء المتدفق إلى محطات التنقية وهدر الأموال في إعادة تنقيتها، وهذا ما ينبه عليه القائمون عليها في بعض المدن، فنريد نظرة شرعية بالأدلة. وجزاكم الله خيرا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن هذه ليست مسألة شرعية من كل وجه بحيث يختص النظر فيها بالشرعيين، وإنما هي مسألة متعلقة بمصالح الناس الدنيوية، والأصل أن المرجع في مثل هذا إلى رأي أهل الاختصاص والخبرة، كما جاء في الحديث عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعن ثابت، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون، فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصا، فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا، قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم. أخرجه مسلم.

وبعد هذا، فثمت أصول شرعية عامة تفيد في التوجيه في مثل القضية التي أثرتها في سؤالك، منها على سبيل المثال: أن الشرع قد ندب إلى الحرص على كل ما ينفع بقدر الوسع والإمكان، فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي، خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء، فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان. أخرجه مسلم.

وهذا كما أنه خطاب للفرد، فالأمة بمجموعها أيضا مخاطبة به، فهي مأمورة بالحرص على ما ينفعها في أي أمر كان  فالانتفاع بمياه الأمطار مما يهم الأمة، وينبغي لها أن تجتهد في الانتفاع بها على الوجه الأمثل، وأن تستفيد من علوم وتجارب الآخرين في ذلك، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.

والله أعلم.