أليس من الصدقة الجارية الذي ورد في حديث: إذا مات ابن آدم انقطع عمله.... الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وليس من الضروري أن يكون مسجدا بناه أو مدرسة أو جمعية خيرية، فربما آمر شخصا أو أنصحه بأن يقيم الليل فيقيمه حتى وأنا في القبر، ومن ثم ينصح أشخاصا لأنه تأثر بنصيحتي، وهل يأتيني أيضا أجر هؤلاء؟ أو أنصح شخصا بأن يصلي السنن الراتبة أو يقرأ القرآن أو يذكر الله دائما، أو أنشر فتاوى العلماء بقدر استطاعتي، أو جعلته طالب علم يدرس الشريعة لينشر الدين.. أو نشر المواعظ والفتاوى والسنن على المواقع الاجتماعية.....

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طريق من طرق الدعوة إلى الله، فمَن أَمَرَ جاهلا بمعروف أو نهاه عن منكر، فامتثل طاعة الله في ذلك، وكان سببا في دعوة غيره، وبقي أثره بعد موته، فلا شك أنه داخل في العلم الذي ينتفع به، والذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. رواه مسلم.

قال الصنعاني ـ رحمه الله ـ في سبل السلام عن هذا الحديث: ويدخل فيه من ألف علما نافعا أو نشره، فبقي من يرويه عنه وينتفع به، أو كتب علما نافعا ولو بالأجرة مع النية أو وقف كتبا. انتهى.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته. رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني.

قال المناوي في فتح القدير: إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما نشره ـ بين الناس بنحو نقل وإفتاء وتأليف. انتهى.
وقال المباركفوري في مرعاة المصابيح: قوله: إن مما يلحق المؤمن ـ الجار والمجرور خبر، إن مقدم على الاسم، أي كائن مما يلحقه، واسمها علماً، وما عطف عليه من عمله بيان لما، وحسناته عطف تفسير، بعد موته ظرف يلحق علمه بالتخفيف ويجوز التشديد، ونشره هو أعم من التعليم، فإنه يشمل التأليف ووقف الكتب، تركه أي خلفه بعد موته، أو مصحفاً ورثه من التوريث، أي تركه للورثة ولو ملكاً، قيل: وفي معناه الكتب الدينية، فيكون له ثواب التسبب، هذا وما بعده من قبيل الصدقة الجارية حقيقة أو حكماً، فهذا الحديث كالتفصيل لحديث: انقطع عمله إلا من ثلاث. انتهى.

وكذلك كل خير تسبب فيه المسلم وانتفع به أحد بعد موته، فسيجري عليه ثوابه بفضل الله تعالى، كما قال سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ {يس:12}.

قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسيره: أي نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم فنجزيهم على ذلك أيضًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، كقوله صلى الله عليه وسلم: مَنْ سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومَنْ سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزرُ مَنْ عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا ـ رواه مسلم. انتهى.

وقال العلامة السعدي ـ رحمه الله ـ في تفسيره: آثار الخير وآثار الشر، التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرا، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان، فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدا، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها من آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر، ولهذا: من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ـ وهذا الموضع، يبين لك علو مرتبة الدعوة إلى الله والهداية إلى سبيله بكل وسيلة وطريق موصل إلى ذلك، ونزول درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه، وأنه أسفل الخليقة، وأشدهم جرما، وأعظمهم إثما. انتهى.

والله أعلم.