نأمل من فضيلتكم بيان السنن التي إن سها عنها أو نسيها المصلي في صلاته تكون موجبة للسجود القبلي، لأنني صليت خلف إمام صلاة جهرية، ولم يتبين لنا أنه ترك سنة موجبة للسجود، ومع ذلك سجد بنا سجوداً قبلياً، وعندما سئل لماذا السجود القبلي ونحن لم نر أنك تركت سنة قط؟ قال إني نسيت الدعاء في الجلوس بين السجدتين في إحدى ركعاتي، وهي قول: ربي اغفر لي ـ فهل هذا الدعاء فعلاً عند بعض الفقهاء من نسيه أو سها عنه موجب للسجود القبلي؟. أطال الله في أعماركم ونفع بكم المسلمين.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد اختلف أهل العلم في السنن التي يشرع لها سجود السهو إن نسيها المصلي، فهي ثمانية عند المالكية، كما جاء في الدر الثمين شرح المرشد المعين لميارة المالكي وغيره، قال: وإنما يسجد للمؤكد منها ـ أي السنن ـ وهي ثمان: قراءة ما سوى أم القرآن، والجهر، والإسرار، والتكبير ـ جميعا ـ سوى تكبيرة الإحرام، والتحميد، والتشهد الأول، والجلوس له والتشهد الأخير، وأما ما سواها: فلا حكم لتركها، ولا فرق بينها وبين الاستحبابات إلا في تأكيد فضائلها.. وإلى هذه الثمان الإشارة بقول بعضهم: سينان شينان كذا جيمان* تاءان عدد السنن الثمان ـ فالسينان: السورة والسر، والشينان: التشهد الأول والأخير، والجيمان: الجهر والجلوس للتشهد، والتاءان: التحميد والتكبير.

وما عدا هذه السنن لا سجود له عندهم.

وجاء في المجموع للنووي الشافعي: التَّسْبِيح وَسَائِر الْأَذْكَارِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَوْلُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَالتَّكْبِيرَاتُ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، كُلُّ ذَلِكَ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَأْثَمْ، وصلاته صحيحة، سواء تركه عمدا أو سَهْوًا، لَكِنْ يُكْرَهُ تَرْكُهُ عَمْدًا، هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وجمهور الْعُلَمَاءِ.

وقول الجمهور هو الراجح المفتى به عندنا، كما بيناه في الفتوى رقم: 94786.

وذهب الحنابلة في المشهور عندهم إلى وجوب السجود على من نسي الدعاء بين السجدتين، لأنه من الواجبات عندهم والسجود للواجب واجب، وهذه الواجبات هي كما جاء في العدة شرح العمدة للمقدسي الحنبلي: وواجباتها سبعة: التكبير غير تكبيرة الإحرام، والتسبيح في الركوع والسجود مرة مرة، والتسميع والتحميد في الرفع من الركوع، وقول: رب اغفر لي ـ بين السجدتين، والتشهد الأول، والجلوس له، والصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التشهد الأخير فهذه إن تركها عمداً بطلت صلاته، وإن تركها سهواً جبرها بالسجود.

وقال ابن قدامة في المغني: وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ تَكْبِيرَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ، وَتَسْبِيحَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقَوْلَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَرَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، وَقَوْلَ: رَبِّي اغْفِرْ لِي ـ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ـ وَالتَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، وَاجِبٌ.

ولذلك، فإن ترك دعاء: رب اغفر لي.. بين السجدتين سهوا أو عمدا لا يلزم منه شيء عند الجمهور، وتركه سهوا موجب لسجود السهو في المشهور عند الحنابلة، ولعل إمامكم ممن يذهب إلى قول الحنابلة. 

والله أعلم.