الجواب :

الحمد لله

أولا:

هذا الحديث ورد مسندا ، ومرسلا.

فأمّا المسند، فهذا السياق الذي في السؤال ، وفيه خلط بين روايتين، كما بيّن ذلك البيهقي رحمه الله تعالى في "شعب الإيمان" (4 / 5).

فهذا السياق لقصة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي قتادة ، من دون قصة بلال رضي الله عنه.

عَنْ يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ وَأَنْتَ تَخْفِضُ مِنْ صَوْتِكَ ).

فَقَالَ: إِنِّي أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ .

قَالَ: ارْفَعْ قَلِيلًا.

وَقَالَ لِعُمَرَ: (مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ وَأَنْتَ تَرْفَعُ صَوْتَكَ).

قَالَ: إِنِّي أُوقِظُ الوَسْنَانَ، وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ.

قَالَ: (اخْفِضْ قَلِيلًا) .

رواه الترمذي (447) ، وأبو داود (1329) ، وقال الترمذي: " هذا حديث غريب ، وإنما أسنده يحيى بن إسحاق، عن حماد بن سلمة، وأكثر الناس إنما رووا هذا الحديث عن ثابت، عن عبد الله بن رباح مرسلا " انتهى.

وتعقّب الشيخ أحمد شاكر قول الترمذي بقوله:

" هذا التعليل لا يؤثر في صحة الحديث، فإن يحيى بن إسحاق ثقة صدوق كما قال أحمد، وقال ابن سعد: "كان ثقة حافظا لحديثه" ووصل الحديث زيادة يجب قبولها، والحديث رواه أيضا أبو داود وسكت عنه هو والمنذري" انتهى من "سنن الترمذي" (2 / 310).

ورواه الحاكم في "المستدرك" (1 / 310) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.

ووافقهما الألباني في "أصل صفة الصلاة" (2 / 425).

وأما قصة بلال رضي الله عنه؛ فهي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواها أبو داود عقب حديث أبي بكرة السابق الذكر، لكن بسياق يغاير ما ورد في السؤال؛ حيث روى أبو داود (1330) بإسناده: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ لَمْ يَذْكُرْ: فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: (ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا، وَلِعُمَرَ: اخْفِضْ شَيْئًا.

زَادَ: ( وَقَدْ سَمِعْتُكَ يَا بِلَالُ وَأَنْتَ تَقْرَأُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ ، وَمِنْ هَذِهِ السُّورَةِ قَالَ: كَلَامٌ طَيِّبٌ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( كُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ )، وحسّنه الألباني في "أصل صفة الصلاة" (2 / 426) ، وفي "صحيح أبي داود" (1201) .

ثانيا:

وأما مرسلا فورد في عدة مراسيل يقوي بعضها بعضا.

فرواه عبد الرزاق في "المصنف" (2 / 495 - 496) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ومَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: "مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يُصَلِّي وَهُوَ يُخَافِتُ، وَمَرَّ بِعُمَرَ وَهُوَ يَجْهَرُ، وَمَرَّ بِبِلَالٍ وَهُوَ يَخْلِطُ، فَأَصْبَحُوا جَمِيعًا عِنْدَهُ فَقَالَ: مَرَرْتُ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ فَرَأَيْتُ تُخَافِتُ. قَالَ: أَجَلْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَالَ: ارْفَعْ شَيْئًا. قَالَ: مَرَرْتُ بِكَ يَا عُمَرُ وَأَنْتَ تَجْهَرُ. قَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي أُسْمِعُ الرَّحْمَنَ، وَأُوقِظُ النَّائِمَ قَالَ: دُونَ، أَوْ قَالَ: اخْفِضْ شَيْئًا. قَالَ: وَمَرَرْتُ بِكَ يَا بِلَالُ وَأَنْتَ تَخْلِطُ. قَالَ: أَجَلْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَخْلِطُ الطِّيبَ بِالطِّيبِ، قَالَ: اقْرَأْ كُلَّ سُورَةٍ عَلَى نَحْوِهَا).

وبنحو هذا رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في "فضائل القرآن" (ص 188) من مرسل سعيد بن المسيب و عمر مولى عَفْرَةَ، فقال:

" حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يُخَافِتُ، وَمَرَّ بِعُمَرَ وَهُوَ يَجْهَرُ، وَمَرَّ بِبِلَالٍ وَهُوَ يَقْرَأُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَمَنْ هَذِهِ السُّورَةِ. فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: (مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُخَافِتُ) فَقَالَ: إِنِّي أُسْمِعُ مَنْ أُنَاجِي. قَالَ: (ارْفَعْ شَيْئًا) ، وَقَالَ لِعُمَرَ: (مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تَجْهَرُ) ، قَالَ: أَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، وَأُوقِظُ الْوَسْنَانَ. فَقَالَ: (اخْفِضْ شَيْئًا) ، وَقَالَ لِبِلَالٍ: ( مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَمَنْ هَذِهِ السُّورَةِ ) فَقَالَ: اخْلِطُ الطِّيبَ بِالطِّيبِ. فَقَالَ: (اقْرَأِ السُّورَةَ عَلَى وَجْهِهَا) أَوْ قَالَ: (عَلَى نَحْوِهَا ).

حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عُمَرَ مَوْلَى عَفْرَةَ: "عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَبِلَالٍ مِثْلَ ذَلِكَ. إِلَّا أَنَّهُ قَالَ لِبِلَالٍ: إِذَا قَرَأْتَ السُّورَةَ فَأَنْفِدْهَا ). " انتهى.

ورواه ابن أبي شيبة (15 / 550) مقتصرا على قصة بلال؛ فقال: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: " مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بِلَالٍ وَهُوَ يَقْرَأُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَمِنْ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُخَالِطَ الطَّيِّبَ بِالطَّيِّبِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اقْرَأِ السُّورَةَ عَلَى نَحْوِهَا ).

ورواه مرسلا من حديث يزيد بن يُثَيْعٍ؛ فقال في "المصنف" (15 / 550): حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِبِلَالٍ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوًا مِنْ حَدِيثِ حَاتِمٍ ".

وينظر للفائدة : "شعب الإيمان" للبيهقي (4/5-6) .

وقوى هذه المراسيل أبو زرعة؛ حيث قال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى:

" وروى سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمر مولى غُفْرة عمن حدثه، كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم - مرسل -: أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بأبي بكر وهو يخافت صوته بالقراءة، ومر بعمر وهو يجهر، ومر ببلال وهو يقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة؛ بدلا من عمار.

فقيل لأبي زرعة: فما الصحيح عندك: بلال أو عمار؟

فقال أبو زرعة: رواه المدنيون على أنه بلال، وهم أعلم، وإن كان روايتهم مرسلا، فلولا أنهم سمعوه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يقولونه " انتهى من "العلل" (2 / 140 – 141).

فالحاصل؛ أن السياق الوارد في السؤال هو أشبه بسياق مرسل سعيد بن المسيب لكن قول بلال فيه: (كُنْتُ أَنْتَقِلُ مِنْ بُسْتَانٍ إلَى بُسْتَانٍ ) الوارد الثابت هو (اخْلِطُ الطِّيبَ بِالطِّيبِ) .

ومرسل سعيد بن المسيب مرسل قوي لوجود ما يعضده ويقويه وهي باقي المرسلات التي سبق ذكرها، وكذا حديث أبي قتادة.

والله أعلم.