تطوعت منذ عشر سنين في إحدى الجمعيات الخيرية، وكانت الجمعية مثالًا يُحتذى به في الانضباط، والالتزام بأحكام الإسلام، وقلّما كان يجتمع الجنسان، فلكلٍّ منهم عمله المنفصل، وفي بعض الأنشطة كان مسؤول الرجال هو أحد محارم مسؤولة النساء؛ وبعد أن أمضيت بعض السنين متطوعةً عاديةً، أقوم بتوصيل المساعدات للأسر فقط، أصبحت متطوعةً مسؤولةً أقوم بجمع التبرعات، وتنظيم الأعمال، واستكشاف القرى والأُسر، وطيلة السنوات العشر كان فريق المتطوعين في قمة الأدب، والله حسيبهم، وبعد خمس سنين من تطوعي في هذا العمل تبدّل كل شيء، وكأن منهج الجمعية قد تغير رأسًا على عقب: 1- انتشر الاختلاط المُسيء في كل مكان بها؛ حتى أنه لا تمايُز قد يُرى بين أعمال النساء وأعمال الرجال بها، فأصبحوا يعملون كل الأعمال معًا، ويخرجون معًا مجتمعين أثناء حملات التبرعات، وغيره من الدعاية، وغيره، حتى أصبحت سمعة الجمعية بين العامة سيئة، وأصبح يُقال: إنه من يُريد مصاحبة البنات وغيره، فليذهب إلى (عمل الخير) في جمعية كذا، وهذا على سبيل السخرية، ولا أستطيع إلا أن أقول أن ما يقوله الناس حقيقة! 2-مع انتشار الاختلاط ازداد الأمر سوءًا، فترك المسؤولون القُدامى المكان رفضًا لهذا الوضع، وجاء مكانهم مسؤولون جدد يرضون بهذا؛ بحجج مساعدة الفقراء، وجاء مع هؤلاء الكثير من الضرر؛ حيث إنه انتشر فيها الزيّ غير الشرعي من البنطلون للنساء، وتزين النساء، وغيره، هذا بالإضافة للاختلاط أيضًا، فأدّى هذا إلى الكثير من المشاكل بين الرجال والنساء من مصاحبة، وخروج، وتعامل خارج نطاق العمل، وحتى أنهم أصبحوا يجتمعون في النادي، ويعزم الرجال النساء للطعام؛ بحجة أن هذا ليس له علاقة بالجمعية، وهذه صداقة شخصية، وأنهم إخوة وأسرة، والكثير من هذا الكلام الغريب، ثم ينتهي الأمر بهم بمشكلة، ثم بالمنع من دخول الجمعية. 3-كنت قد سمعت غير متأكدة يقينًا أن الجمعية تضع بعض التبرعات في أحد البنوك؛ بهدف جمع فائدة ربوية منها؛ ليستخدموها في زيادة الخدمات للأسر. 4-منذ سبع سنين أقاموا حفلة نصف سنوية، تتكرر كل 6 أشهر؛ بهدف تعريف المتطوعين بإنجازات الجمعية خلال هذه الفترة، وكانت هذه الحفلة مليئة بما لا يرضي الله عز وجل من اختلاط للرجال والنساء، في محفلٍ به موسيقى، وأغانٍ، وهم يهتفون ويقفزون على هذه الأغاني أمام بعضهم -الرجال أمام النساء-، والمحزن أكثر أن منهم من الفُضليات المنتقبات من يفعل هذا، وتقفز أمام الرجال، وتهتف بالأغاني، ومنهنّ من تفعل هذا وملابسها ضيقة لا تليق، فيُظهر ما يُلفت أنظار الرجال، والغريب أن هذه الحفلة تبدأ افتتاحها بآيات من كتاب الله! ومن المشاكل أيضًا أن الجمعية في أشياءٍ -مثل هذه الحفلة النصف سنوية- تقوم بفرض الحضور على الأنشطة، وعلى المسؤولين، فلا يحق لمسؤول أن يقول: أنا نشاطي لن يحضر هذه الحفلة؛ لأنها لا تُرضي الله، فهي في بعض الأحيان تفرض على المتطوع المسؤول أشياء لا تجوز! وكل هذا التطور قد حدث بسبب اهتمام الجمعية بجلب أكبر عدد من المتطوعين إلى هذا المكان أولًا، ثم الوصول بأي طريقة إلى أكبر قدر من التبرعات ثانيًا، ثم إعطاء كل الصلاحيات للمسؤول فقط بغير رقابة من الجمعية، فكانت النتيجة أن كوّن المسؤول السيء تحته فريقًا من السيئين، الذين يقومون بأعمال خدمية وإنسانية بغير الطريق الذي شرعه الدِّين، ثم أنه لا حق لأحدٍ أن يمنع فريقه من حضور الحفلة، فهي مفروضة عليهم من الإدارة. ولا أنكر أن الجمعية تقوم بصرف الملايين في مساعدة الفقراء في كل أنحاء الدولة من بناء للبيوت، وتوصيل للمياه، وبناء للأسقف، وتنظيف للمساجد والشوارع، وفك الغارمات، وتجهيز العرائس، وإطعام للفقراء، وإعطاء الملابس، وتدريس المواد الدراسية مجانًا لغير القادرين، وإعطاء دورات تدريبية في شتى المجالات مجانًا، وغيره الكثير. ولا أنكر أني قد تعلمت الكثير على المستوى الشخصي في التعاملات، وفي القوة، وفي الكلام، وفي الإدارة، والانضباط، والالتزام بالمواعيد، والتخطيط، وغيره. والسؤال أخيرًا: ما حكم كوني مسؤولة في هذا المكان إذا كنت لا أستطيع أن أدفع عني هذه الأشياء التي يفرضونها على المسؤولين، لكني لا أقوم بها، وأنصح الناس بعدم فعلها؟ وإذا كان لا يجوز، فما حكم التطوع فيها دون أي مسؤولية، أنزل القافلة ثم أعود لبيتي، دون اختلاط، أو غيره؟ وما نصيحتكم؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فإن كان عملك في هذه الجمعية يترتب عليه مشاركتك في الاختلاط المريب، وحضور الحفلات المشتملة على المحرمات، فلا يجوز لك البقاء في هذا العمل.

أمّا إذا كان عملك لا يلزم منه مشاركتك في هذه المنكرات، ويقتصر على المشاركة في الأعمال المباحة؛ سواء كان عملك مسؤولة في الجمعية، أم مجرد متطوعة في النزول مع قوافل التطوع، فيجوز لك البقاء في هذا العمل، مع حرصك على إنكار المنكر، والأمر بالمعروف قدر استطاعتك، وفق ضوابطه الشرعية، وللفائدة راجعي الفتوى رقم: 386785.

والله أعلم.