أنا في الوقت الحالي أعاني من وقوف حالي؛ لأسباب أعتقد أن السبب الرئيس فيها هي أمّي، ولا أريد ذكر السبب لأسباب شخصية، ووجودي داخل أسرتي غالبًا ما تسبب لي في الأضرار النفسية، والتي لا أستطيع الصبر على تحملها معهم، وكنت أرى تعامل الأسر والعائلات خارج المنزل، فيحدث بداخلي التأثر النفسي، وأتمنى أن أكون فردًا منهم، وسبّب ذلك لي بغضهم أيضًا، وأريد الابتعاد عنهم بأن يرزقني الله سبحانه وتعالى، ويمنّ عليّ بالزواج من قريبة لي، أكنّ لها محبة، يعلمها الله وحده، ولا أريد أن تبقى تلك المحبة إلا في رضاه، وحلاله، وأن يبارك لي فيها، ويحفظها من كل سوء، ويجعلني زوجًا صالحًا لها، وهى بالمثل لي، ويبارك ربنا فيما أكننته لها داخل قلبي، إن كانت تعلم، أو لا تعلم ولا تكترث للأمر، ودعوت الله عز وجل بذلك، مع البعد عن أهلي دائمًا، مع وجود سؤالي عنهم؛ كيلا أغضب الله عليّ، وأنال رضاه؛ لأن ما يهمني في الأمر كله هو رضى الله عني، فما حكم الدعاء بهجر الأهل، إن كان وجودي معهم يسبب لي مشاكل نفسية، وتقييدًا لحريتي، ولن أرتاح بقية حياتي إن ظللت معهم حتى بعد الزواج؟ لأني أرى وأشعر دائمًا أن سبب تعقيد أموري هم أهلي، وخاصة أمّي، ومن بعد ذلك إخوتي؛ لأنهم دائمًا يكونون معها في الرأي، والدفاع عنها أيًّا كان الوضع، سواء كانت خاطئة أم مصيبة، ويتظاهرون أنهم أصحاب حق في آرائهم في أي مسألة تعرض عليهم، علمًا أن رسولنا الكريم سيدنا محمد ﷺ قال في حديثة عن الدعاء بمعناه: إذا دعوت بقطع رحم، لا يستجاب لي. ولا أريد أن أغضب الله عليّ في ذلك الدعاء، وأريد رضاه عني، واستجابته لدعائي، وأن يمنّ علي، ويرزقني بما دعوته به. أرجو أن تفتوني في ذلك، مع مراعاة وضعي وحالتي النفسية في المشكلة، التي بإمكانها تدميري كليًّا، وأتمنى منكم الدعاء لي بظهر الغيب، إن لم يكن في ذلك حرمة؛ لأنه ليس بين الله تعالى وعباده وسطاء في الطلب والدعاء، وأخشى أن يكون في طلبي الدعاء من أحد ما لا يرضي ربنا عني. أعتذر عن الإطالة، وشكرًا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فنسأل الله تعالى أن يغفر لك ذنبك، وأن يلهمك رشدك، وأن يقيك شر نفسك، وأن ييسر لك الخير حيث كان.

والذي يظهر أن الأمر مبالغ فيه، ولعل فيه تصورات خاطئة من قبلك، خاصة فيما يتعلق بموضوع علاقة الأم التي جبلت على محبة أبنائها، والسعي في مصالحهم. 

ثم إننا لا ندري على وجه القطع ما تعنيه بالدعاء بهجر الأهل! فإن كان مرادك انفصالك، والعيش بعيدًا عنهم، فهذا لا يستلزم القطيعة، بل هذا هو الغالب بعد الزواج، أن يعيش الابن منفصلًا عن والديه، ولكنه مع ذلك يصلهم، ويبرهم.

وأما إن كان مرادك بذلك الهجر: الصد عنهم، وترك صلتهم، وعدم برهم، فهذا لا يجوز، والدعاء به من الاعتداء في الدعاء، وهو منهي عنه، ويدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يزال يستجاب للعبد، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم. رواه مسلم.

قال أبو الحسن المباركفوري في شرح مشكاة المصابيح: (أو قطيعة رحم) أي: بالقطع بينه وبين أقاربه، مثل أن يقول: اللهم بعّد بيني وبين أبي وأمي، أو أخي، وما أشبه ذلك، فهو تخصيص بعد تعميم. قال الجزري: القطيعة: الهجر، والصد، والرحم: الأقارب، والأهلون، والمراد أن لا يصل أهله، ويبرهم، ويحسن إليهم. اهـ.

ونص كلام ابن الأثير الجزري في شرح مسند الشافعي: قطيعة الرحم ضد وصلها، وصلة الرحم معروفة، وهي الإحسان إلى الأهل، والأقارب، والرفق، والبر بهم. اهـ.
وتبعه على ذلك: ابن رسلان في شرح سنن أبي داود، وأبو العلا المباركفوري في تحفة الأحوذي.

وقال الصنعاني في التحبير: قوله: "ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم" فإن هذا منهي عنه، فكيف يطلب من الله، بل الداعي بذاك آثم، متعرض لسخط الله ... وعطفه على قوله: "بإثم" من عطفه الخاص على العام؛ إبانة لعظمة إثمه. اهـ.

ثم إنه لا يخفى أن ما تشكو منه -إن كان واقعًا فعلًا- لا يقتصر علاجه على هذا الدعاء المذكور، بل غيره من الدعوات يلبي حاجتك، ويعينك على قضائها، ويكفيك أن تسأل الله العافية، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: سلوا الله العافية. متفق عليه.

كما يجزئك أن تسأل الله تعالى أن يعيذك من شر كل ذي شر هو آخذ بناصيته، وأن تسأله من الخير كله، وتستعيذ به من الشر كله.

وأما أهلك -ولا سيما والداك- فادع لهم بالهداية، والتوفيق، وإلهام الرشد، فهذا أنفع لك، ولهم، وراجع في أحوال طلب الدعاء من الغير، الفتوى رقم: 122053.

وبخصوص موقفك من أمك، راجع الفتويين التاليتين: 38247، 49153.

والله أعلم.