أصابني خفقان القلب المفاجئ في وقت المعصية التي فعلتها، فهل هذا من عذاب الله؟ وهذا ليس وسواسًا، فعندما أفعل تلك المعصية يأتيني هذا الشعور، مع العلم أنني عاهدت الله على تركتها إذا رزقني شيئًا، فكأن الشعور يصيبني جزاء نقض عهدي، وعندي شعور أنه عذاب الله الذي لا تنفع بعده توبة، فهل هذا صحيح؛ لقوله تعالى: "فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون"، "هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ"، فهل هذه الآيات تنطبق عليّ؟ وقد أصبحت أتوقف عن المعاصي، وأبدأ بطاعات جديدة، فهل هذا دليل على قبول توبتي؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد: 

فلا علاقة لهذه الآيات المذكورة بالحالة التي أصابتك، وربما كان ما أصابك إنذارًا من الله تعالى لتبادري بالتوبة، وتكفي عن هذه المعصية، فهي من رحمة الله بك، لا من عذابه، وعقوبته التي لا تنفع بعدها التوبة، والتوبة لا تزال مقبولة ما دامت الروح في البدن، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله لا يزال يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ـ أي ما لم تبلغ روحه الحلقوم ـ رواه أحمد، والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.

فأقبلي على ربك، وتوبي إليه توبة نصوحًا، واعلمي أن توبتك إن كانت صادقة فإنها توبة مقبولة، وباب التوبة لم يغلق في وجهك.

وأما قوله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا {غافر: 85}، فإنها في الكفار إذا عاينوا عذاب الله تعالى، وليس هذا مما أصابك في شيء، وكذا قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ {الأنعام: 158}، فهذه الآية التي لا ينفع بعدها إيمان وهي طلوع الشمس من مغربها، كما نطقت بذلك النصوص، فقد روى البخاري من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا ـ ثُمَّ قَرَأَ الآيَةَ.

وأما هذا الخفقان الذي شعرت به: فربما كان من رحمة الله بك ليذكرك، وينذرك، ويدعوك إلى التوبة من هذا الذنب، فدعي هذه الوساوس، فإن الشيطان هو الذي يزين لك أن طاعتك لن تقبل، وأن باب التوبة أغلق في وجهك.

واعلمي أن رحمة الله تعالى قد وسعت كل شيء، وأنه مهما كان الذنب عظيمًا، فإن عفو الله أعظم، وأنه من تاب توبة صادقة في الوقت الذي تقبل فيه التوبة، وهو قبل بلوغ روحه الحلقوم، فإن توبته مقبولة، كما قال الله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا {النساء:17}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. رواه ابن ماجه، وغيره، وحسنه الألباني.

فأبشري بفضل الله، واحمديه على ما منّ به عليك من التوفيق للتوبة، واطرحي عنك هذه الوساوس، وأقبلي على ربك تعالى، مجتهدة في عبادته، مؤدية الفرائض، مستكثرة من النوافل، واجتهدي في دعاء الله تعالى أن يوفقك للطاعة، ويعينك عليه، ويجنبك سبل الغواية، ويصرف عنك كيد الشيطان ووسوسته.

والله أعلم.