ما صحة: أن أبا بكر الصديق نحل عائشة قطعة من الأرض، فلما توفي قال عمر رضي الله عنه لعائشة: لو حزتيه لملكتيه، ورد الأرض إلى تركة أبي بكر، ومنع عائشة من حقها، فإن صح هذا الكلام، نرجو شرح الحديث، والمستفاد منه. وجزاكم الله خيرا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن الأثر الذي تشير إليه قد أخرجه الإمام مالك في الموطأ: عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: "والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقرا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك. وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك، وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله، قالت عائشة، فقلت: يا أبت، والله لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء، فمن الأخرى؟ فقال أبو بكر: ذو بطن بنت خارجة، أراها جارية".

وليس في القصة ذكر لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أصلا!

وهذا الأثر فيه أحكام وفوائد عديدة، قال ابن عبد البر: في حديث عائشة هذا أن من شرط صحة الهبة قبض الموهوب لها قبل موت الواهب قبل المرض الذي يكون منه موته . وفي هذا حديث عائشة هذا جواز الهبة المجهول عينها إذا علم مبلغها وجواز هبة المشاع أيضا. وفيه أن الغنى أحب إلى الفضلاء من الفقر. وأما إعطاء الرجل بعض ولده دون بعض وتفضيل بعضهم على بعض، فقد قال الشافعي ترك التفضيل في عطية الأبناء فيه حسن الأدب ويجوز له ذلك في الحكم، قال وله أن يرجع فيما وهب لابنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (فارجعه) واستدل الشافعي بأن هذا الحديث على الندب بنحو ما استدل به مالك من عطية أبي بكر عائشة دون سائر ولده، وأما قول أبي بكر في حديث عائشة هذا: إنما هما أخواك وأختاك، فقالت له عائشة إنما هي أسماء فمن الأخرى؟ فأجابها أبو بكر وقال (ذو بطن بنت خارجة أراها جارية) فهذا منه - رضي الله عنه - ظن لم نخطئه فكانت ذو بطن بنت خارجة جارية أتت بعده فسميت أم كلثوم. وأما بنت خارجة فهي زوجته واسمها حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير الذي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي بكر إذ قدم المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخى بين المهاجرين والأنصار، وكان قول أبي بكر ظنا كاليقين .اهـ. باختصار.

وقال الدكتور عبدالكريم الحضير: "إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقاً" أي أعطاها تمراً على رؤوس النخل، لكنه إذا جز وخلص ونقي يصفو منه عشرون وسقاً يعني خمسة عشر أو ستة عشر كيلاً أو عشرين كيلاً. "من ماله بالغابة" موضع قريب من المدينة اسمه: الغابة . "فلما حضرته الوفاة"، حضرت أبا بكر الوفاة، ورأى العلامات، وقرب أجله. "قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك" يعني هو يحب أن تكون ابنته غنية "ولا أعز" يعني لا أشق على نفسي "علي فقراً بعدي منك" وهذا يدل على أن الغنى راجح حتى عند الأخيار، راجح مرجح على الفقر حتى عند الأخيار. "فلو كنت جددته واحتزته كان لك" لأن الهبة والعطية لا تثبت إلا بالقبض، هي ما قبضت، فلم تثبت لها. وهذا من أدلة الجمهور في عدم وجوب التسوية والتعديل، هذا فعل أبي بكر، وخليفة راشد، وأعطى عائشة دون سائر إخوانها وأخواتها، ومن يقول بالتحريم يقول: إنه برضاهم؛ لتتفق النصوص، أنه أرضاهم. ومع ذلك لما لم تحز ولم تقبض رجع فيه، وهذا يدل على أن الهبة لا تثبت إلا بالقبض. "وإنما هو اليوم مال وارث" لو قالت: الآن أنا أخذه وأقبضه، صارت عطية، والعطية في مرض الموت لا تصح. "وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك" وأبو بكر -رضي الله عنه- مات عن هؤلاء الخمسة، اثنان من الذكور وثلاث من البنات "فاقتسموه على كتاب الله" لأنه صار تركة، فيقسم على كتاب الله للذكر مثل حظ الأنثيين. "قالت عائشة: فقلت: يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته" يعني لو كنت قد حزته وقبضته لتركته، مراعاة لحقك في البر، وأن لا يجد أحد في نفسه عليك شيئاً، ولتطيب النفوس. "إنما هي أسماء فمن الأخرى؟ " لأن ما عندها إلا أسماء، وهي أكبر منها "فمن الأخرى؟ فقال أبو بكر: ذو بطن بنت خارجة" بنت خارجة هذه زوجته الأخرى مع أسماء بنت عميس، والذي في بطنها أراها جارية، أظنها جارية، قالوا: إن أبا بكر قد اعتمد في ذلك على رؤيا، فجاءت كما توقع .اهـ.

والله أعلم.