الجواب :

الحمد لله

أولا:

روى الحاكم في "المستدرك" (2188)، والبيهقي في "السنن" (20516) والطبراني في "المعجم الكبير" (3730) ، وابن أبي شيبة في "مسنده" (19)، من طريق مُحَمَّد بْن زُرَارَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ أَبِيهِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعَ مِنْ سَوَاءَ بْنِ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيِّ فَرَسًا فَجَحَدَهُ فَشَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا حَمَلَكَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَلَمْ تَكُنْ مَعَهُ؟) قَالَ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ صَدَّقْتُكَ بِمَا قُلْتَ وَعَرَفْتُ أَنَّكَ لَا تَقُولُ إِلَّا حَقًّا، فَقَالَ: ( مَنْ شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ أَو شهِدَ عَلَيْهِ ؛ فَحَسْبُهُ ).

وحسنه الحافظ ابن حجر في "تخريج أحاديث المختصر" (2/19) وقال:

" هذا حديث حسن، ومحمد بن زرارة قال الذهبي في مختصر السنن: " لم أر له ذكرًا في الضعفاء ولا أعرفه ".

قلت- أي الحافظ ابن حجر -: قد ذكره البخاري في تاريخه، ولم يذكر فيه جرحا، وأشار إلى حديثه هذا، فذكر منه طرفا عن علي بن المديني عن زيد به، ولم يذكر له علة، وذكره ابن حبان في الثقات ". انتهى .

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (9/ 320): " رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ " .

وذكره الألباني في "الضعيفة" (5717)، وقال : " منكر " .

وأعله بجهالة محمد بن زرارة، ثم قال :

" وله علة أخرى: وهي المخالفة في إسناده ومتنه، فقد رواه الزهري عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع ... ) الحديث بأتم منه، دون حديث الترجمة، وجعله من مسند عمه ، وليس من مسند أبيه، وزاد:

( فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين ) انتهى.

ثانيا :

وأما جعل شهادة خزيمة بن ثابت رضي الله عنه ، بشهادة رجلين ، فقد رواه أبو داود (3607) والنسائي (4647)، وأحمد (21883) من طريق الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، أَنَّ عَمَّهُ، حَدَّثَهُ : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ، فَاسْتَتْبَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْضِيَهُ ثَمَنَ فَرَسِهِ، فَأَسْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَشْيَ وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ، فَطَفِقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الْأَعْرَابِيَّ، فَيُسَاوِمُونَهُ بِالْفَرَسِ وَلَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعَهُ، فَنَادَى الْأَعْرَابِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا هَذَا الْفَرَسِ وَإِلَّا بِعْتُهُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: ( أَوْ لَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟ ) فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا، وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( بَلَى، قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ ) فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ، يَقُولُ هَلُمَّ شَهِيدًا، فَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ: ( بِمَ تَشْهَدُ؟ ) ، فَقَالَ: بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ".

وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" ، وكذا صححه محققو المسند.

وروى البخاري (2807) عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " نَسَخْتُ الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ ، فَفَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ( مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) .

قال الخطابي رحمه الله في حديث أبي داود المذكور :

" هذا حديث يضعه كثير من الناس غير موضعه، وقد تذرع به قوم من أهل البدع إلى استحلال الشهادة لمن عرف عنده بالصدق على كل شيء ادعاه ، وإنما وجه الحديث ومعناه: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما حكم على الأعرابي بعلمه، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم صادقاً باراً في قوله ، وجرت شهادة خزيمة في ذلك مجرى التوكيد لقوله، والاستظهار بها على خصمه، فصارت في التقدير شهادته له وتصديقه إياه على قوله كشهادة رجلين في سائر القضايا " انتهى من "معالم السنن" (4/ 173).

وكذا قال ابن الجوزي رحمه الله :

" وَوجه هَذَا الحَدِيث: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا حكم على الْأَعرَابِي بِعِلْمِهِ، وَجَرت شَهَادَة خُزَيْمَة مجْرى التوكيد لقَوْله " انتهى من "كشف المشكل" (1/ 38).

وقال الحافظ رحمه الله:

" وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْفِطْنَةِ فِي الْأُمُورِ وَأَنَّهَا تَرْفَعُ مَنْزِلَةَ صَاحِبِهَا، لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي أَبَدَاهُ خُزَيْمَةُ حَاصِلٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ لَمَّا اخْتَصَّ بِتَفَطُّنِهِ لِمَا غَفَلَ عَنْهُ غَيْرُهُ مَعَ وُضُوحِهِ، جُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ خُصَّ بِفَضِيلَةِ: ( مَنْ شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ أَوْ عَلَيْهِ فحسبه ) " انتهى من "فتح الباري" (8/ 519).

وقال ابن القيم رحمه الله:

" جعل النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ شَهَادَتَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصِّدْقِ الْعَامِّ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ مِثْلُهُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ.

وَانْفَرَدَ خُزَيْمَةُ بِشَهَادَتِهِ لَهُ بِعَقْدِ التَّبَايُعِ مَعَ الْأَعْرَابِيِّ، دُونَ الْحَاضِرِينَ، لِدُخُولِ هَذَا الْخَبَرِ فِي جُمْلَةِ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ تَصْدِيقُهُ فِيهَا، وَتَصْدِيقُهُ فِيهَا مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَذِهِ الدَّعْوَى، وَقَدْ قَبِلَهَا مِنْهُ وَحْدَهُ " انتهى من "الطرق الحكمية" (ص 69).

وقال في "عون المعبود" (10/ 20):

" شَهَادَةُ خُزَيْمَةَ قَدْ جَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهَادَتَيْنِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَهَذَا لِمُخَصِّصٍ اقْتَضَاهُ، وَهُوَ مُبَادَرَتُهُ دُونَ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى الشَّهَادَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ قَبِلَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ شَهَادَتَهُ وَحْدَهُ ، وَهِيَ خَاصَّةٌ لَهُ " انتهى .

ثالثا :

يتبين مما سبق من كلام العلماء أن قول السائلة : " كيف يكون هذا تكريم له برغم أنه ادعي شيئا لم يحدث؟ " قول غير صحيح ، لأن شهادة خزيمة رضي الله عنه مبنية على تصديق عام لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا أصل الإيمان به ، وهذه الشهادة تصديق خاص مدرج تحت العام ، فلا يقال في مثل ذلك أنه شهد بما لم يره ولم يشهده .

وقد روى البخاري (4487) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) .

فيشهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمته أن نوحا عليه السلام بلغ أمته، وتقبل شهادتهم، ولا يلزم لذلك أن يكونوا حاضرين شاهدين لما شهدوا به ، ولكنه الإيمان بما أنزل الله، والتصديق به ، فشهدوا بموجب ذلك ، فكذلك شهد خزيمة بموجب الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتصديق به تصديقا عاما ، وإن لم يكن شهد الواقعة .

فلما شهد خزيمة بصدق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به ، جوزي بتصديقه في كل ما يشهد عليه ، وهذا من فضائله ومناقبه رضي الله عنه.

والله تعالى أعلم .