السؤال:

هل يجوز للمنفرد خلف الصف أن يسحب شخصًا من الصف المكتمل ليصلى بجواره؟ وما الدليل؟

الإجابة:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فقد اختلف الفقهاء فيمن أتى المسجد فلم يجد فرجة في الصف يصلي فيها:

فذهبت الحنفية إلى أنه ينبغي أن ينتظر من يدخل المسجد ليصف معه خلف الصف، فإن لم يجد أحداً وخاف فوات الركعة جذب من الصف إلى نفسه من يعرف منه علماً وخلقاً، فإن لم يجد وقف خلف الصف بحذاء الإمام ولا كراهة حينئذ، لأنه معذور.

وذهب المالكية إلى أن من لم يمكنه الدخول في الصف، فإنه يصلي منفرداً عن المأمومين، ولا يجذب أحداً من الصف، وإن جذب أحداً فعلى المجذوب ألا يطيعه.

والصحيح عند الشافعية: أن من لم يجد فرجة ولا سعة، فإنه يستحب أن يجذب إليه شخصاً من الصف ليصف معه، لكن مع مراعاة أن المجذوب سيوافقه، وإلا فلا يجذب أحداً منعاً للفتنة، وإذا جذب أحداً فيندب للمجذوب أن يساعده لينال فضل التعاون على البر والتقوى، قال النووي رحمه الله في "المجموع": "الصحيح عندنا أن الداخل إذا لم يجد في الصف سعة جذب واحدًا بعد إحرامه واصطف معه، وحكاه ابن المنذر عن عطاء والنخعي، وحكي عن مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق كراهته، وبه قال أبوحنيفة وداود .اهـ.

وذهب الحنابلة: إلى أن من لم يجد موضعاً في الصف يقف فيه وقف عن يمين الإمام إن أمكنه ذلك، فإن لم يمكنه الوقوف عن يمين الإمام فله أن ينبه رجلاً من الصف ليقف معه، وينبهه بكلام أو بنحنحة أو إشارة، ويتبعه من ينبهه، ولا يجذب أحدًا، واستقبح الإمام أحمد وإسحاق الجذب؛ لما فيه من التصرف في الغير  بغير إذنه، قال البهوتي في "كشاف القناع" : "فإن لم يجد موضعًا في الصف يقف فيه وقف عن يمين الإمام إن أمكن، فإن لم يمكنه الوقوف عن يمين الإمام فله أن ينبه بكلام أو بنحنحة أو إشارة من يقوم معه لما في ذلك من اجتناب الفَذِّيَّة (أي حتى لايصلي فذًّا منفردًا)، ويتبعه من ينبهه، وظاهره وجوبًا؛ لأنه من باب ما لا يتم الواجب إلا به، ويكره تنبيهه بجذبه نصًّا؛ لما فيه من التصرف فيه بغير إذنه".اهـ.

والراجح هو: أنه لايجوز جذب أحد، فمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فإن وجد فرجة في أي صف وقف فيها، وإن لم يجد فرجة صلى عن يمين الإمام إن تيسر ذلك، فإن لم يمكنه صلى منفرداً، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ورجحه الشيخ ابن عثيمين؛ للقاعدة الشرعية: أن الواجب يسقط مع العجز؛ ولقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقوله:{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متفق عليه.

ولأن الجذب يلزم منه محاذير شرعية منها:

الأول: التشويش على الرجل المجذوب ،التصرف فيه الغير  بغير إذنه.

الثاني: فتح فرجة في الصف، وهذا قطع للصف، ويخشى أن يكون هذا من باب قطع الصف الذي قال فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «من قطع صفًا قطعه الله»؛ رواه أبو داود والنسائي وأحمد.

الثالث: أن فيه جناية على المجذوب بنقله من المكان الفاضل إلى المكان المفضول.

الرابع: أن فيه جناية على الصف لأن جميع الصف سيتحرك لانفتاح الفرجة من أجل سدها.

والله أعلم.