أنا إنسان مذنب، وكلما أذنب، أصلي، ثم أقطع الصلاة، وكل هذا يؤدي إلى زوال اليقين. فأصابني مرض الشك، وأصابني الشك في عدم وجود الله، والشك في الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل الأديان من كثرة الكلام على الهول والفزع يوم الحساب. فليس هناك تناقض في القرآن، ولا أستطيع تكذيبه؛ فعندما أقرأ القران أشعر أنه يجذب النفس، فهو شيء عجيب. وفي نفس الوقت لا أتحمل فكرة العذاب والقيامة. فإذا كانت بهذا التصور، فإنه يفوق التصور الإنساني. وعندما أمر على آية بالقرآن أهرب منها، ولا تستطيع نفسي تكملة القراءة. فكيف أقرأ ما لا أعمل به؟ فأمسي كافرا وأصبح مؤمناً، وأخاف أن يصيبني مرض الكفر مثل ما يصيب الملحدين؛ فإنني تكلمت معهم، وشعرت أن بهم مرضا، وليس عندهم منطق، ولا يهمهم الحق، فكأنهم يضحكون على أنفسهم فهم تائهون. فالحق هو الحقيقة وإن كانت ضد رغبه النفس: فالله خلق الكون، وهو حر في ملكه، والعبادات والأوامر وإن كان الإنسان يكرهها، فهي أمر الله، وليس هناك تفسيرات أو منطق لها، وليس هناك مفر فإنه أمر ثقيل على الإنسان في وسط هذه الحياة، وامتحان صعب حتى تمنيت أنني لم أكن شيئا من القلق مما سيحدث لي. فالحساب قائم، والعمل صعب، والحياة أصعب. حتى وصلت إلى هل يخدع الإنسان نفسه بالدِّين، كما يخدع هؤلاء الملحدون أنفسهم بعدم وجود الله؟ هل أنا على حق أم باطل؟ فالله حث العقل على التأمل، ولكن في نفس الوقت لا يستطيع الإنسان إطلاق عقله وإلا كفر. الله رفع العلم والعلماء، وهناك كثير من العلماء كفروا بالله.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد: 

 فسؤالك متضمن لجملة من النقاط، ونحن نجمل الكلام عليها فيما يلي.

أولا: ما يقع في نفسك إن كان مجرد وساوس، فإنها لا تضرك، ولا تؤثر في إيمانك إن كنت كارها، لها نافرا منها، بل كراهتك لها ونفورك منها دليل على صدق إيمانك. وأما إذا ركنت إليها واستسلمت لها، وأشربها قلبك فذلك هو الخطر الماحق، نسأل الله العافية.

ثانيا: زعمك بأن العبادات لا منطق لها، ولا تفسير، زعم باطل منكر، فالله فرض ما فرض من العبادات لحكم جليلة، قد تعجز العقول عن إدراك بعضها، وأهم أسرارها ما فيها من صلاح القلب، والإقبال به على خالقه تعالى، وعمارته بمحبته والأنس به والشوق إليه، والذي هو المقصود من خلق الإنسان في الحياة. قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ {الذاريات:56}.

ثالثا: الخوف المفرط من العذاب والوعيد، والذي يؤدي إلى ترك العبادة، خوف مرضي مذموم، والواجب عليك أن تعدل هذا الخوف بمزيد من الرجاء في ثواب الله وسعة فضله، وعظيم جوده وبره وإحسانه، فتكون خائفا راجيا، فكلما أقلقك الخوف أسعفك بالأمل ما تحمله في قلبك من الرجاء.

رابعا: سبيل الخلاص من هذا العذاب الهائل الذي تُوعد به المعرضون، ليس إلا مزيد الإقبال على الله، والاجتهاد في طاعته والتقرب إليه، وسؤاله من فضله الواسع، فاجتهد في عبادة ربك، وتب إليه مما أنت مقيم عليه من المعاصي، واستفرغ وسعك في مرضاته وأحسن ظنك به وثق بأنه هو الغفور الرحيم البر الكريم، تبارك وتعالى، وأنه لا يضيع أجر المحسنين.

خامسا: ننصحك بقراءة ما يزيدك ثقة ويقينا بوحدانية الله تعالى، وحقية هذا الدين الحنيف، فاقرأ مثلا كتاب العقيدة في الله للدكتور عمر الأشقر -رحمه الله- واقرأ عن محاسن الإسلام ودلائل أحقيته، وأنه دين الله الذي ارتضاه لخلقه؛ فإن ذلك من أعظم أسباب إبعاد تلك الأفكار عن قلبك.

سادسا: الفتنة ليس أحد معصوما منها، لا عالم ولا غيره، وإنما ينجو من كتب الله له النجاة، فالأمر محتاج إلى تعليق القلب بالله تعالى والتوكل عليه في التثبيت على الدين والوقاية من شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

نسأل الله أن يثبتنا وإياك على الحق حتى نلقاه.

والله أعلم.