عصيت ربي عصيانا مبينا؛ فابتلاني. فعاهدته إن كشف بلاءه، أن أتوب. فكشفه عني، فلم أتب؛ فابتلاني، فعاهدته. فعافاني، فلم أتب؛ فابتلاني. فأخشى أن أعاهده، فلا أفي بالعهد. لكن بلائي هذه المرة عظيم، فمصيبتي، وفتنتي في ديني، وأرى أنها أيضا في عقلي، وأخشى قراءة القرآن. وكم من آية في القرآن تحدثت عن الذين يبتلون، فيتضرعون، فإذا كشف عنهم البلاء، عادوا كأن شيئا لم يكن. ماذا أفعل؟ أشعر أني منافق، وقد سمعت آية أن الذين يخلفون عهدهم مع الله، يعقبهم الله نفاقا. هل لي من توبة؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فباب التوبة مفتوح، لا يغلق في وجه أحد حتى تطلع الشمس من مغربها، ومهما تكرر الذنب من العبد، فإنه إذا تاب إلى الله بإخلاص وصدق، تقبل الله توبته، وأقال عثرته، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ {الشورى:25}. وقال: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {الزمر:53}.

فإذا تبت إلى الله بصدق، وعزمت على عدم معاودة هذه الذنوب، فإن الله سبحانه يتداركك بلطفه، وتعود كمن لم يذنب، كما قال صلى الله عليه وسلم: التائب من الذنب، كمن لا ذنب له. رواه ابن ماجه. وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ، وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ، فَاغْفِرْ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ؛ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ، أَوْ أَصَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ؛ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ أَصَابَ ذَنْبًا، قَالَ: قَالَ: رَبِّ أَصَبْتُ، أَوْ قَالَ: أَذْنَبْتُ آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ؛ غَفَرْتُ لِعَبْدِي -ثَلَاثًا- فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ.
ففي الحديث بيان لرحمة الله، ومغفرته بعبده، وليس فيه حث للعبد على المعصية، والعبد الذي يذنب، ويعلم أن له رباً يأخذ بالذنب ويعفو، يكون منكسرا لربه، خاضعا لجنابه، متذللا لعظمته.

 فتدارك نفسك بالتوبة النصوح -أيها الأخ الكريم- وأحسن ظنك بربك تعالى، واستقم على طاعته، وجاهد نفسك على الالتزام بمراضيه، والوقوف عند حدوده، مستعينا به على ذلك؛ فإن القلوب بين إصبعين من أصابعه سبحانه، يقلبها كيف يشاء، واعلم أنك إن صدقت في مجاهدة نفسك، وفقك الله، وأعانك، مصداق قوله سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا {العنكبوت:69}.

واحذر من القنوط واليأس من رحمة الله؛ فإن العلماء ينصون على أنهما من كبائر الذنوب، بل إن القنوط واليأس قد يكونان أعظم من الذنب الذي سببهما، واعلم أن الشيطان يقنط الناس من رحمة الله تعالى حتى يزهدوا في التوبة، ولا يسارعوا إليها، ولذلك قال تعالى: إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ {يوسف: 87}. وقال أيضا: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ {الحجر: 56}.

وتب إلى الله من نقض عهدك معه، ولا تعد إلى نقض العهد مع الله تعالى؛ فإن شأنه خطير، وقد تكون عقوبته الطبع على القلب فلا يوفق العبد للتوبة، ثم إن كانت معاهدتك الله قد حصلت باللسان، فعليك كفارة يمين عن كل عهد نقضته مع ربك تعالى، وانظر الفتوى رقم: 119553.

ولمزيد من التفصيل راجع الفتاوى التالية أرقامها: 33789 // 57184 // 12067 // 2969 // 17308 // 26864.

وفقك الله لما فيه رشدك، ورزقنا وإياك التوبة النصوح.

والله أعلم.