ورثت أنا وأبي وإخوتي قطعة أرض عن أمي، ولكننا لم نقم ببيعها بعد ولم نقتسم ثمنها بعد، وفي إحدى المرات، جاءت هذه الأرض في ذهني ووجدت نفسي أقول: عليه وقف ـ وتقريبًا كنت أقصد نصيبي من هذه الأرض، وبعد تلفظي بهذه العبارة، واعتقادًا مني أنني وقعت في الوقف قلت لإخوتي إنني سأتبرع بنصيبي من الأرض لدار الأوقاف المصرية ليكون وقفًا أو صدقة جارية عن أمي، واخترت لذلك مصرفًا، وهو بناء مسجد، ولم يكن هذا تحت تأثير أي وسواس، وحاولت بعد ذلك أن أتراجع عن الوقف لاحتياجي للمال، باعتبار أنني لم أقبض نصيبي من الميراث بعد، وأنا أعلم أن من شروط الوقف أن يكون ناجزًا، وأن يكون مملوكًا للواقف ملكًا تامًا وقت الوقف، ولكنني عندما بحثت في الأمر علمت أن الملكية تنتقل إلى الوارث بمجرد وفاة الميت، وبالتالي لا يجوز لي التراجع باعتبار أنني كنت بالفعل أملك نصيبي هذا وقت تلفظي بالوقف، حتى وإن كنت لم أقبضه بعد، فقررت المضي في الوقف على أي حال فيما يخص نصيبي عند استلامي إياه، وسؤالي هو: كان أبي قد قال لي بعد وفاة أمي إنه سيعطيني نصيبه من الميراث، لاحتياجي لبعض المال، وكان ذلك قبل تلفظي بالوقف، فهل نصيب أبي الذي ورثه عن أمي، والذي قال إنه سيعطيني إياه، أصبح ملكًا لي، وبالتالي يدخل في نصيبي من ميراث أمي الذي يجب أن أتبرع به لدار الأوقاف؟ أم أنه لا يزال ملكًا لأبي، لأنني لم أقبضه بعد، وبالتالي لا يصح وقفه؟ وهل يجوز لي أن أستفيد من نصيب أبي هذا عندما يعطيني إياه، أم أنه حينئذ سيكون عليَّ أن أتبرع به لدار الأوقاف، باعتباره جزءًا من ميراث أمي الذي قررت أن أوقفه؟ فقد قرأت أن المالكية لا يشترطون ملكية الواقف للوقف وقت التلفظ به، ويرون أن من قال: إن ملكت دار فلان فهي وقف، فملكها، صح وقفه، ولا أعلم ماذا أفعل في نصيب أبي عندما يعطيني إياه، فهو قد قرر أن يعطيني نصيبه من الميراث لأستفيد به، نظرًا لاحتياجي لبعض المال، لا لأتبرع به، وبالتالي لن يروق له أن أتبرع به.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن كان السائل تلفظ بالفعل بكون نصيبه في الأرض الموروثة عن أمه وقفاً لله تعالى، فقد صارت كذلك، مادام أهلا للتبرع، وأهلية التبرع تتحقق بأن يكون المتبرع: عاقلا بالغا مختارا، وألا يكون محجورا عليه لسفه أو فلس، وهذا فيما يخص نصيب السائل، لأن وقف المشاع صحيح عند جمهور أهل العلم، وراجع في ذلك الفتوى رقم: 67220.

وأما نصيب الوالد من الميراث فإنه ـ على ما يظهر من ـ لم يدخل أصلا في الوقف، لأنه ابتداء لم يدخل في نية السائل، كما يدل عليه قوله: كنت أقصد نصيبي من هذه الأرض ـ وقوله: فيما يخص نصيبي عند استلامي إياه ـ ثم لكونه لا يزال على ملك الوالد حتى تتم الهبة بشروطها، ومنها الحيازة بالتخلية بين الأرض وبين الموهوب له، وهذا لا يفيده مجرد إظهار الواهب أنه ينوي الهبة، وهذا هو ظاهر الحال في ، حيث لم يزد السائل على نقله عن والده قوله: إنه سيعطيني إياه ـ وأما ما ذكره السائل عن المالكية: فليس له علاقة بواقع ، وإنما هذا في حكم الوقف المعلق على شرط، والسائل لم يصدر منه وقف لنصيب والده أصلا، فضلا عن تعليقه إياه على امتلاكه، ومع ذلك فجمهور العلماء على خلاف المالكية يشترطون لصحة الوقف أن يكون مملوكًا له حين الوقف، جاء في كتاب المعاملات المالية أصالة ومعاصرة: مذهب الجمهور أرجح، وأنه لا يجوز تقديم الوقف على الملك، لأن الملك إن كان شرطاً أو سببًا في نفاذ الوقف لم يجز تقديم الوقف على شرطه أو على سببه، كما لا يجوز تقديم الكفارة قبل عقد اليمين، ولا تقديم الزكاة قبل ملك النصاب، فالشروط رتبتها التقدم، وكذا الأسباب تتقدم مسبباتها. اهـ.

والمقصود أن الوقف يقتصر على نصيب السائل من هذه الأرض دون نصيب والده إن وهبه إياه بالفعل، وهنا ننبه على أن الوالد مطالب بالتسوية بين أبنائه في العطية، فلا يفضل أحدا على أحد إلا إن وجد مسوغ لذلك من نحو مرض أو حاجة، قال ابن قدامة في المغني: إن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه مثل اختصاصه بحاجة أو زمانة أو عمى أو كثرة عائلة أو اشتغاله بالعلم أو نحوه من الفضائل أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله أو ينفقه فيها، فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك. اهـ.

والله أعلم.