من المعلوم أن الكي جائز عند الحاجة، ومكروه عند عدم الحاجة -عند تيسر دواء آخر- فهل المراد بحكم المكروه -عند عدم الحاجة- مَن كوى نفسَه، أو من كوى غيرَه، أو هما جميعا؛ لأن علة الحكم، وهي نوع تعذيب بالنار، موجودة فيهما؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فقد سبق لنا بيان حكم الكي، وعلة النهي عنه، وذلك في الفتويين: 28323، 35000.

وأما التفريق بين من كوى نفسه، أو كوى غيره، فالحكم في حقهما واحد من حيث الأصل، فمتى كان الكي جائزًا، تناول ذلك اكتواء العبد لنفسه، وكيه لغيره، وقد بوَّب البخاري في صحيحه باب: من اكتوى أو كوى غيره، وفضل من لم يكتو.

قال العيني في عمدة القاري: أي: هذا باب في بيان من اكتوى لنفسه، أو كوى غيره.

وقال الكرماني: الفرق بينهما أن الأول لنفسه، والثاني أعم منه، نحو اكتسب لنفسه، وكسب له، ولغيره .. وللترجمة ثلاثة أجزاء، فأشار بالجزأين الأولين، إلى إباحة الكي عند الحاجة، وأشار بالجزء الثالث إلى أن تركة أفضل عند عدم الحاجة إليه. اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الباب: كأنه أراد أن الكي جائز للحاجة، وأن الأولى تركه إذا لم يتعين، وأنه إذا جاز كان أعم من أن يباشر الشخص ذلك بنفسه، أو بغيره، لنفسه، أو لغيره، وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء إليه في أول حديثي الباب، وفضل تركه من قوله: "وما أحب أن أكتوي". اهـ.

وقال أيضًا: وحاصل الجمع أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع، بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، وكذا الثناء على تاركه. وأما النهي عنه، فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء. اهـ.

وقال القاضي عياض في إكمال المعلم في التفريق بين الطب، والكي: نذكر منه نكتة تكفي، وهو أنه صلى الله عليه وسلم تطبب في نفسه، وطب غيره، ولم يكتو، وكوى غيره، ونهى في الصحيح أمته عن الكي، وقال: "وما أحب أن أكتوى". اهـ.

وقال زروق في شرح متن الرسالة: تداوى صلى الله عليه وسلم وأمر به، وكوى غيره، وما اكتوى، ورقى غيره، وما استرقى، ورقاه جبريل عليه السلام. اهـ.

والله أعلم.