يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث:" أكثروا من ذكر هاذم اللذات الموت؛ فما ذكره أحد وهو في ضيق من العيش، إلا وسعه الله عليه، أو في سعة، إلا ضيق الله عليه" أو كما قال صلى الله عليه وسلم. : إن صح الحديث كاملاً، فإن عندي تعارضا ظاهرا في التضييق والتوسعة في العيش، بنفس الأمر: ذكر الموت؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فقد أخرج ابن حبان في صحيحه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أكثروا ذكر هاذم اللذات؛ فما ذكره عبد قط وهو في ضيق، إلا وسعه عليه، ولا ذكره وهو في سعة، إلا ضيقه عليه. وحسنه الألباني. بينما ضعفه ابن الجوزي، فقال: هذا حديث لا يثبت.اهـ.

وليس هناك أي تعارض بين كون الموت ينغص اللذات ويضيقها، وبين كونه يخفف حال الضيق ويوسعها.

فصاحب السعة يتمنى دوام الحال التي هو عليها، فذكر الموت ينغص عليه ذلك ويضيقه، بينما صاحب الضِّيق لا يتمنى دوام الحال التي هو عليها، فذكره للموت يهون عليه ما هو فيه.

وننقل لك كلاما لبعض العلماء في شرح معنى الحديث، فيه تقرير لهذا المعنى، وزيادة وجوه أخرى.

قال القرطبي: فاعلم أن ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية، والتوجه في كل لحظة إلى الدار الآخرة الباقية، ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالتي ضيق، وسعة، ونعمة، ومحنة. فإن كان في حال ضيق ومحنة، فذكر الموت يسهل عليه بعض ما هو فيه، فإنه لا يدوم، والموت أصعب منه. أو في حال نعمة، وسعة، فذكر الموت يمنعه من الاغترار بها، والسكون إليها، لقطعه عنها .اهـ. من التذكرة بأحوال الموتى، وأمور الآخرة.

وفي التنوير للصنعاني: (فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش، إلا وسعه عليه) لأنه إذا تيقن من هو في الضيق أنه مفارقه، خالص عنه، هان عليه ما هو فيه؛ لأنّ الخلوص من المكروه محبوب، ولذا جاء في الحديث أنه لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون فيها عدد أيام الدنيا، لفرحوا. ولو قيل ذلك لأهل الجنة لحزنوا، ولذا قيل:

ما أضيقَ العيشَ ... لولا فسحةُ الأمَلِ

ويحتمل أن المراد أنكم إذا ذكرتموه في شدة وسعها عليكم؛ لأنكم تذكرون أنكم لاقون ما هو أشد منها وهو الموت، فترونها متسعة، فطبتم بها نفسا (ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه) لأنّ فراق المحبوب مكروه، وعرفت وجه التعليل بذلك قريبا كما قيل:

أَشَدُّ الغَمِّ عِندي في سُرورٍ ... تَيَقَّنَ عَنهُ صاحِبُهُ اِنتِقالا.اهـ.

وفي بريقة محمودية: (فإنه ما ذكره) أي الموت (أحد في ضيق) كفقر، ومرض، وحبس، ومصائب الأنفس، والأولاد، والأموال، والأقارب (إلا وسعه) صيره واسعا، إما لأنه مذكر عدم كون النعم ملكا له، بل فانية ليس لها دوام، وإما للأجر فيما بعد الموت بالصبر، وإما لأن عمري أنفاس معدودة زالت سرعة، فلا تفاوت في سعته وضيقه (ولا ذكره في سعة إلا ضيقها) أي السعة (عليه) لعلمه بمفارقتها، ومحاسبته أو مناقشته، بل تعذيبه عليها ولإخطاره كون ما في يده مستعارا له، والملك لغيره، ونفسه عبد خادم له. اهـ.

والله أعلم.