اشتريت هاتفًا بالأقساط؛ لأبيعه نقدًا؛ لأني كنت في ضائقة مالية، وعندما تم البيع والاتفاق قال لي البائع: هل أبيعه لك؛ كونك ستبيعه؟ فقلت له: لا يجوز، ولا أريد الوقوع في الحرام -أي أنني أعلم حرمة بيع العينة- إلا أنه قال لي: إن هناك شخصًا أوصاه على هاتف مثله بسعر معقول، وأكّد لي أنه لن يشتريه هو –البائع-، مع العلم أنني لم أستلم الهاتف بعد، فوافقت، وأحضر لي ثمن الهاتف في اليوم التالي، فهل وقعت في الحرام أم إن الذنب عليه هو؟ ولم يخطر في بالي أن عليّ اقتناءه قبل بيعه، وظننت أنه بالاتفاق وتوقيع الأوراق، قد أصبح ملكي، وقد صرفت المال على عيالي أكلًا وشربًا وملبسًا.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فلا يظهر مانع من صحة المعاملة.

وأما عدم اقتنائك للهاتف -كما عبرت-: فالظاهر أنك تقصد به عدم القبض الفعلي، فإن كان كذلك، فهذا لا يؤثر في صحة المعاملة، فالقبض ها هنا حاصل حكمًا، كما سنبين لاحقًا.

وأما بيع صاحب المحل لجوالك قبل أن تستلمه، وعلاقته ببيع السلع قبل قبضها: فاعلم أن كثيرًا من العلماء نص على أن المنقولات المتعينة، لا حرج في بيعها قبل قبضها أصلًا.

كما أن القبض يحصل بالتخلية عند كثير من العلماء، ولا يشترط عندهم نقل المبيع، فإذا حدد لك البائع الجهاز بالرقم التسلسلي مثلًا، ولم يمنعك من قبضه، فهذا يعد قبضًا عندهم حكميًّا، جاء في اختلاف الائمة العلماء لابن هبيرة: اختلفوا في غير الطعام من المنقول إذا كان متعينًا، كالثوب، والعبد، والحيوان، هل القبض يشرط في صحة بيعه؟

فقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يصح بيعه قبل قبضه، ولا يجوز للمشتري التصرف فيه قبل القبض.

وقال مالك: كل مبيع متعين لا يتعلق به حق توفية كيل ووزن، فبيعه قبل قبضه جائز، من أي الأصناف كان، من العروض، والرقيق، والحيوان، والمكيل، والموزون، سوى الطعام والشراب.

وعن أحمد: يجوز بيع غير الطعام من المنقول إذا كان متعينًا قبل نقله.

ثم اختلفوا في التخلية هل هي قبض في العقار والمنقول جميعًا -وهذا مذهب أبي حنيفة-.

وقال الشافعي: هي قبض في العقار دون المنقول.

وعن أحمد روايتان، إحداهما: كمذهب أبي حنيفة. والأخرى: كمذهب الشافعي. اهـ. باختصار. وراجع تفصيل هذا في الفتوى: 170775.

وكذلك فإنه يصح توكيل المشتري للبائع في قبض السلعة عند كثير من العلماء، قال الدكتور خالد المشيقح: اختلف العلماء في توكيل المشتري البائع في قبض المبيع على قولين:

القول الأول: أنه يصح توكيل المشتري البائع في قبض المبيع، وهو ظاهر قول المالكية، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، جاء في حاشية الدسوقي: "... إلا أن يكون القابض من نفسه ممن يتولى طرفي العقد، كوصي ليتيميه، ووالد لولديه الصغيرين، وسيد لعبديه، فيجوز بيع طعام أحدهما للآخر، ثم بيعه عليه لأجنبي قبل قبضه لمن اشتراه له، فتأمله... ". وفي الإنصاف: "الثانية: الصحيح من المذهب: صحة استنابة من عليه الحق للمستحق في القبض، قال في التلخيص: صح في أظهر الوجهين، وقدمه في الفروع".

وحجته: 1. قوله تعالى: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا}.

2. ما رواه عروة بن الجعد -رضي الله عنه-: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه». وجه الدلالة من الآية، والحديث: أنهما دلا على جواز الوكالة في البيع والشراء، ويلحق بذلك توكيل البائع في قبض المبيع.

3. ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- «أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه، فأغلظ، فهمّ به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه، فإن لصاحب الحق مقالًا، أعطوه سنًّا مثل سنه». وجه الدلالة: دل على جواز الوكالة في إيفاء الحق، فكذا في استيفائه، ولو من جهة البائع للمشتري. 

4. أن الأصل في المعاملات الحل حتى يقوم دليل المنع.

القول الثاني: أنه لا يصح توكيل البائع في القبض. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، ووجه عند الحنابلة.

ثم ختم المبحث بقوله: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله. اهـ. باختصار من بحثه: (التورق المصرفي عن طريق المعادن)، وانظر في هذا الفتوى: 141585.

فالخلاصة: أنه لا يظهر مانع من صحة المعاملة التي ذكرتها.

والله أعلم.