توجد مشاكل عديدة بيني وبين إخوتي، وقد ظلموني جدًّا جدًّا، ونتيجة لذلك توجد قطيعة بيني وبينهم، وأحد إخوتي يسكن معنا في نفس البيت، ولا أتكلم معه نهائيًّا. أعلم أن هذا حرام، ولا تقبل صلاتي، فإذا سامحته، ودعوت له، وطلبت من والدتي أن تطلب منه أن يأتي ويصالحني، فرفض أن يأتي، فهل أكون آثمة؟ والله يعلم أنني سامحته، رغم كرهه وحقده علي، وأنه آذاني جدًّا لكني سامحته.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

  فإن الشرع الحكيم قد حث على مراعاة جانب الأخوة الإسلامية، واعتبر المسلمين عامة إخوة، ودعاهم إلى التواد والتآلف، قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {الحجرات:10}، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ، وَالْحُمَّى. رواه مسلم.
 وفي الصحيحين عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المسلم أخو المسلم. ويتأكد هذا في حق ذوي الرحم، فهي الآصرة التي تجب صلتها، وتحرم قطيعتها، كما سبق وأن بينا في الفتوى رقم: 43714.

وإن كان إخوتك قد ظلموك، فقد أساؤوا بذلك، ومن أقبح أنواع الظلم ظلم القريب؛ لأنه المرجو أن يكون حريصًا على إيصال الخير لقريبه، لا أن يكون منتقصًا له فيه، وقد أحسن من قال:

                                   وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهند

وإن لم تكوني القاطعة لأخيك، فلا إثم عليك، وإنما يقع الإثم على القاطع.

وقد أحسنت بمسامحتك له، ورغبتك في صلته، وإنهاء القطيعة، فجزاك الله خيرًا، فالعفو والصفح قربة من أعظم القربات، ومن أفضل أسباب نيل رضا رب الأرض والسماوات، وانظري الفتوى رقم: 27841.

وعلى تقدير أنك قد قطعته، فلا يكفي في قطع التهاجر عفوك عنه، وإنما أقل ما يزول به التهاجر هو السلام في قول الجمهور، قال ابن حجر: قال أكثر العلماء: تزول الهجرة بمجرد السلام ورده، وقال أحمد: لا يبرأ من الهجرة إلا بعوده إلى الحال التي كان عليها أولًا، وقال أيضًا: ترك الكلام إن كان يؤذيه لم تنقطع الهجرة بالسلام، وكذا قال ابن القاسم. اهـ.

وأفضل المتهاجرين من يبادر بالسلام، فإن فعلت ولم يرد عليك السلام، وسعيت في الإصلاح ورفض، فقد برئت ذمتك، ويبوء هو بالإثم.

ومع هذا نرجو عدم اليأس، والاجتهاد في جانب الإصلاح، وكثرة الدعاء، فالقلوب بين يدي الرحمن يقلبها كيف يشاء. ولمزيد الفائدة نرجو مطالعة الفتوى رقم: 50300.
والله أعلم.