السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قرأت في إحدي الصحف في مصر على لسان داعية إسلامي: إن البعض يقولون: بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان القرآن عبارة عن صحف متفرقة؛  فمنه ما كان مكتوباً علي جذوع النخل والجلد، ومنه ما كان محفوظاً في صدور الصحابة - رضي الله عنهم وأرضاهم - وعندما بدؤوا في جمع المصحف الشريف؛ استشهد كاتب المقال بحديث لا أعرف صحَّته فيما معناه: إن شاة أكلت سورة من سور القرآن، كانت مكتوبة على ورق، وكانت محفوظة في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

أريد معرفة رأي فضيلتك.

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالحديث المسؤول عنه رواه ابن ماجه والدارقطني وأبو يعلى في "مسنده" والطبراني في "معجمه الأوسط" وابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث"، جميعهم من طريق مُحَمَّدِ بن إسحاق، عن عبد اللَّهِ بن أبي بَكْرٍ، عن عَمْرَةَ، عن عَائِشَةَ، وعَنْ عبد الرحمن بن الْقَاسِمِ عن أبيه، عن عَائِشَةَ قالت: "لقد نَزَلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ وَرَضَاعَةُ الْكَبِيرِ عَشْرًا وَلَقَدْ كان في صَحِيفَةٍ تَحْتَ سَرِيرِي، فلما مَاتَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَشَاغَلْنَا بِمَوْتِهِ؛ دخل دَاجِنٌ فَأَكَلَهَا".

وسند هذا الحديث ضعيف؛ لأنه من رواية محمد بن إسحاق بن يسار وهو مدلِّس، ولم يصرِّح بالسماع في شيءٍ من الطرق، ومع ذلك فهو مُخْتَلَفٌ في قبول ما ينفرد به لو صرَّح بالسماع، ويكفينا الأخذ بالعلَّة الْمُتَيَقَّنَة، وهي عدم تصريحه بالسماع، ومع هذا فقد صححه أبو محمد بن حزم في "المحلى"، وهذا من حيث النظر في الإسناد.

وأما متن الحديث - لو صحَّ - فليس فيه ما يشكل بحمد الله؛ لأنه دال على أن الشاة أكلت الصحيفة التي فيها آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً، وكلاهما منسوخ تلاوته؛ فقد روى مسلم عن عائشة - رضي   الله عنها - قالت: "كان فيما نزل من القرآن عشر رضعاتٍ معلومات يحرمن، ثم نسخ بخمس معلوماتٍ يحرمن"، وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب قال وهو جالس على منبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: "إن الله قد بعث محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالحق، وأنزل عليه الكتاب؛ فكان مما أنزل عليه آية الرجم؛ قرأناها ووعيناها وعقلناها؛ فرجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده..."، وهو ظاهر في حفظهم ووعيهم لها عن ظهر قلب، فما الذي يضر إن فقدت الصحيفة؟!! فالعبرة بالحفظ، والتواتر عليه.

قال أبو محمد ابن حزم : "فصح نسخ لفظها، وبقيت الصحيفة التي كتبت فيها، كما قالت  عائشة - رضي الله عنها - فأكلها الداجن، ولا حاجة إليها..." إلى أن قال: "وبرهان هذا أنهم قد حفظوها، فلو كانت مثبتة في القرآن لما منع أكل الداجن للصحيفة من إثباتها في القرآن من حفظهم وبالله التوفيق".

وقال أبو محمد بن قتيبة: "ونحن نقول: إن هذا الذي عجبوا منه كله ليس فيه عجب، ولا في شيء مما استفظعوا منه فظاعة، فإن كان العجب من الصحيفة فإن الصحف في عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلى ما كتب فيه القرآن؛ لأنهم كانوا يكتبونه في الجريد والحجارة والخزف وأشباه هذا، وإن كان العجب من وضعه تحت السرير، فإن القوم لم يكونوا ملوكاً؛ فتكون لهم الخزائن والأقفال وصناديق الآبنوس والساج، بل كانوا إذا أرادوا حفظ شيء أو صونه؛ وضعوه تحت السرير ليأمنوا عليه من الوطء وعبث الصبية والبهيمة؛ وكيف يحفظ من لم يكن في منزله حرز ولا قفل ولا خزانة إلا بما يمكنه ويبلغه وجده، ومع النبوة التقلل والبذاذة؟! وإن كان العجب من الشاة، فإن الشاة أفضل الأنعام؛ فما يعجب من أكل الشاة تلك الصحيفة، وهذا الفأر شر حشرات الأرض يقرض المصاحف ويبول عليها، وهذا العث يأكلها، ولو كانت النار أحرقت الصحيفة أو ذهب بها المنافقون كان العجب منهم أقل.

وتتميما للفائدة سنذكر نبذة مختصرة عن المنهج الرباني الفريد المحكم، الذي اتبعه الصحب الكرام في جمع القرآن، ومن تأمله عَلِم عِلْم اليقين أنه ليس جهداً بشرياً؛ وإنما هو توفيق الله ومدده للصحب الكرام؛ لأنه سبحانه تكفل بحفظه ولم يكله إلى أحد من خلقه قال تعالى  :{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

ومن المعلوم أن القرآن الكريم نقل تواتراً، وأن المسلمين توارثوا نقله جيلاً عن جيل، ولم يلق النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه إلا والقرآن كله محفوظ، مكتوب على رقاع متفرقة وما شابهها، وفي منتصف خلافة أبي بكر دعت الحاجة إلى كتابة ما كتب مفرقاً من الصحائف، التي كتبها كتبة الوحي في حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وجمعه في مصحف، ثم جمع عثمان - رضي لله عنه - القرآن على حرف واحد لما دعت الحاجة إليه؛ فأدرك الأمة قبل أن تتفرق حول القرآن كما تفرق اليهود والنصارى، وندب لهذه المهمة: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن الحارث، وكان زيد - من كتبة الوحي - حافظاً متقناً للقرآن سماعاً مباشراً من فم النبي - صلى الله عليه وسلم - وحضر العرضة الأخيرة للقرآن من النبي - صلى الله عليه وسلم - على جبريل، وهو الذي جمع القرآن في خلافة أبي بكر، وتم الجمع وفق منهج دقيق حكيم للغاية، قوامه أمران:

الأول: المصحف الذي تم تنسيقه في خلافة أبي بكر؛ فكان لا يُقبل شيء في مرحلة الجمع الثاني ليس موجوداً في تلك الوثائق الخطية، التي سجلها كتبة الوحي في حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم.

الثاني: مطابقة الآيات المحفوظة لما في مصحف أبي بكر عن رجلين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يكفي حفظ الرجل الواحد، ولا يكفي وجودها في مصحف أبي بكر؛ بل لا بد من الأمرين معاً؛ فقد روى البخاري عن زيد بن ثابت الأنصاري قال: "أرسل إليَّ أبو بكر مقتلَ أهل اليمامة وعنده عمر؛ فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد اسْتَحَرَّ يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحرَّ القتلُ بالقراء في المواطن؛ فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم؛ فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتتبع القرآن فاجمعه؛ فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال؛ ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر: هو والله خير. فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر؛ فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال".


هذا؛ وما ذكره السائل الكريم في سؤاله هو شبهة من شبه أعداء القرآن العظيم؛ فهم يرمون بالشبهة تلو الشبهة؛ طمعاً في أن ينال هذا من قرآننا العظيم؛ وهيهات؛ فقد قيَّض الله لهم في كل عصر ومصر جهابذة، يردونهم خاسرين بمقامع الحجج الناصعة.

والله أعلم.