نشرت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية تقريرًا أعدَّه محمد القاسم، الصحافي بوكالة «ميديا لاين»، ألقى فيه الضوء على اتفاق التطبيع المُبرَم بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل وما سيترتب عليه في قطاع الطاقة في منطقة الشرق الأوسط، إذ يأتي تكتل الغاز المُشكَّل حديثًا بعد توقيع الإمارات والبحرين اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل الشهر الماضي، مما تسبب في حدوث موجة صادمة عبر أروقة السياسة في الشرق الأوسط.

مراسم توقيع ميثاق منتدى غاز شرق المتوسط بالقاهرة

استهل الكاتب التقرير مشيرًا إلى أن القاهرة استضافت في سبتمبر (أيلول) الماضي لقاءً افتراضيًّا شارك فيه كلٌ من مصر وإسرائيل واليونان وقبرص وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية، لتوقيع ميثاق منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF). ويوضح ذلك أن أعمال التنقيب عن الغاز الطبيعي والاحتياطات الهائلة الموجودة شرق البحر المتوسط التي جرت على مدار السنوات العديدة الماضية، والتي بدأت بوصفها منتدًى غير رسمي يضم مصر وقبرص وإسرائيل واليونان، أصبحت الآن في إطار منظمة حكومية دولية رسمية تتخذ من القاهرة مقرًّا لها. وتسعى مصر نفسها لتكون مركزًا للطاقة وإحدى البلدان المصدرة لها في المنطقة.

يسعى هذا التكتل إلى تعزيز صادرات الغاز في الوقت الذي أقامت فيه إسرائيل علاقات جديدة مع الدول العربية. كما تسعى المجموعة إلى توحيد تركيا مع اليونان وقبرص بدلًا من الصراع المرير فيما بينها حول حقوق عمليات الحفر البحري. وترغب فرنسا في المشاركة في هذه المجموعة، بينما طالبت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حصولهم على صفة المراقب.

أما فيما يتعلق بإسرائيل، وبحسب ما جاء في التقرير، فقد ذكر وزير الطاقة الإسرائيلي، يوفال شتاينتس: «إن هذا المنتدى، والذي يُعد الأول من نوعه في التاريخ، من شأنه تحقيق التعاون الإقليمي بين الدول العربية وبلدان الاتحاد الأوروبي، لا سيما بعد توقيع إسرائيل اتفاقيات لتصدير الغاز إلى كلٍ من الأردن ومصر بقيمة تصل إلى 30 مليار دولار أمريكي، وهذه مجرد بداية».

ومن جانبه ذكر طارق عواد، خبير الطاقة الدولي المقيم في إسرائيل، لوكالة «ميديا لاين»: أن «المستقبل مع الغاز» بسبب تضاؤل احتياطيات النفط. وأضاف قائلًا: «مصر تَعُد نفسها مُصدِّرًا للغاز والكهرباء. كما أبرمت اتفاقيات مع دول مجاورة مثل الأردن لتلبية احتياجات عمان من الكهرباء واحتياجات دول أخرى».

صفقة دولفينوس القابضة مع إسرائيل

وأوضح التقرير أن شركة «دولفينوس» القابضة، وهي شركة مصرية، قد وقعَّت اتفاقًا عام 2018 لشراء ما قيمته 15 مليار دولار من الغاز الطبيعي الإسرائيلي على دفعتين لمدة 10 سنوات. وجدير بالذكر أن مصر تمتلك مصنعين للغاز الطبيعي المسال، والمصنعان مُعطلان أو يعملان بقدرة أقل من طاقتهما ويمكن استخدامهما في تصدير الغاز.

كيف سيُغير التطبيع الإماراتي قطاع الطاقة في الشرق الأوسط؟

يأتي تكتل الغاز الذي تشكَّل مؤخرًا بعد أن وقَّعت الإمارات والبحرين اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل الشهر الماضي، ما تسبب في حدوث موجات صدمة عبر أروقة السياسة في الشرق الأوسط. ومن المؤكد أن يكون لهذه الصفقات عواقب وخيمة على اقتصادات المنطقة والقطاعات المالية فيها.

إبرام صفقات كبرى بين الإمارات وإسرائيل

ولفت الكاتب إلى أنه فور إعلان إبرام اتفاقيات التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، سارع رواد الأعمال من كلا البلدين لإبرام صفقات كبرى. وصرَّح الدكتور أليكس كومان، خبير خلق القيمة بكلية أديلسون لريادة الأعمال بمركز هرتسليا الإسرائيلي المُتعدِّد التخصُّصات، لوكالة «ميديا لاين» بأن التعاون بين الدولتين في القطاع المصرفي والتكنولوجي والزراعي مبشرٌ بالنجاح ويقدم فرصًا عظيمة وواعدة. وأضاف قائلًا: «هناك عديد من إمكانات التعاون بينهما، من خلال الأموال التي توفرها دول الخليج العربي والخبرة الإسرائيلية».

وذكر كومان، بحسب ما جاء في التقرير، أن اتفاقيات التطبيع بين الإمارات وإسرائيل تهدف إلى «تعزيز التعاون في مجال الطاقة بين كلا البلدين، وأن مثل هذا التعاون يمكن أن يشمل عديدًا من القطاعات ويوفر فرص عمل هائلة». وتابع قائلًا: «إن التكنولوجيا المتطورة أصبحت أمرًا بالغ الأهمية في استبدال الطاقة الأحفورية، كما أنني أعلم أن عديدًا من دول الخليج ترغب في الحصول على أرباحها من هذه الطاقة واستثمارها في المستقبل. ولذلك فإنها ترغب في أن تنخرط في مثل هذه القطاعات، وإسرائيل لديها خبرة جيدة في هذا المجال».

 يقول عواد: «إن المنطقة تتغير بسرعة، وما يحدث الآن هو رسم خريطة جديدة لكل ما يتعلق بالطاقة في منطقة الشرق الأوسط». ويضيف قائلًا: «إن المسارات التقليدية للطاقة المنتجة في الخليج قد تتغير بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وإسرائيل».

تغيير المسار القديم لتصدير النفط

وصرَّح عواد قائلًا: «يمر نفط الخليج الآن عبر مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس». مضيفًا: «أن الاتفاقية الإماراتية الإسرائيلية ستغير هذا المسار وتحوله إلى خطوط أنابيب تعبر شبه الجزيرة العربية إلى إسرائيل».

لكن المخطط الجديد لا يقتصر على الطاقة فحسب، بل يمكن للبضائع القادمة من الولايات المتحدة وأوروبا، التي تصل الآن إلى الخليج عبر قناة السويس، أن تَعْبُر جسرًا بريًّا عبر إسرائيل ثم الأردن التي ستستفيد استفادة كبيرة من دورها الجديد بوصفها مركزًا إقليميًّا للتجارة.

وتتطلع الإمارات وإسرائيل إلى الفوائد الاقتصادية والمالية لاتفاقية السلام المبرمة بينهما. وبما أن دولة الإمارات تعلم علم اليقين أن مصدر إيراداتها الرئيس سينضب في يوم من الأيام، لذلك تسعى إلى تنويع اقتصادها وربط ثروتها الهائلة بالاستثمار في القطاعات المختلفة التي تحظى فيها إسرائيل بالخبرة.

كيف سيُغير التطبيع الإماراتي قطاع الطاقة في الشرق الأوسط؟

ونوَّه الكاتب إلى أن كومان يتوقع انضمام مزيد من الأطراف الفاعلة الإقليمية إلى هذا الاتفاق. وتكهَّن كومان قائلًا: «ربما تنضم بعض الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية والعراق في مرحلة ما، للمشاركة في خط الأنابيب الذي يُصدِّر النفط العربي ونفط الخليج عبر الخليج إلى الأردن وإسرائيل ومنها إلى أوروبا».

مذكرة تفاهم بين موانئ دبي العالمية ودوفر تاور الإسرائيلية

وأضاف الكاتب أن «موانئ دبي العالمية»، وهي إحدى كبرى شركات الخدمات اللوجستية البحرية على مستوى العالم، وقَّعت مذكرة تفاهم مع شركة «دوفر تاور» الإسرائيلية لتقديم عرض مشترك لتشغيل ميناء حيفا. يقول عواد: «إنه في حالة الموافقة على العرض، فإنه سيغير طريقة نقل الطاقة والبضائع». وأضاف: «ليس من قبيل المصادفة أن تتفق موانئ دبي مع الشركة الإسرائيلية على إدارة ميناء حيفا؛ لأن هذا مشروع استراتيجي عملاق».

وما يزال العرض في مرحلة النقاش وتحركه دوافع سياسية جزئيًّا، فضلًا عن رواد الأعمال الذين يتطلعون إلى إحياء خطوط الأنابيب والسكك الحديدية القديمة. ويمكن لهذه المشروعات أن تحدث ثورة في طريقة نقل النفط والغاز وربط إسرائيل والمنطقة في شبكة لنقل البضائع والطاقة والأشخاص.

وأوضح الكاتب أنهم يتوقعون سوقًا تعمل على تهميش إيران وتضعف سيطرتها على الممرات الملاحية الحيوية في الخليج، متجاهلة باب المندب ومضيق هرمز، الذي هددت طهران مرارًا بإغلاقه. كما أنها ستجعل واردات الجمهورية الإسلامية من النفط أعلى تكلفة مقارنةً بواردات جيرانها الخليجيين. وعلى الصعيد السياسي، ستدعم هذه الخطة ما يسمى بمحور الدول المعتدلة في المنطقة.

وبحسب ما جاء في التقرير أكد عواد قائلًا: «كان نفط الخليج يمر عبر قناة السويس ورأس الرجاء الصالح. بيد أن هذا الاتفاق سيغير هذا المسار ويحوله إلى خط إيلات- أشدود». وأضاف: «أن هذا بدوره سيخلق تحالفات جديدة، مثل المحور المصري الإسرائيلي، حيث سيعتمد الخليج عليها لنقل الطاقة إلى أوروبا».

وأشار الكاتب إلى أن تكتلات الطاقة المتشكلة حديثًا تحظى بدعم أوروبي وأمريكي، فضلًا عن أن الجهود جارية أيضًا لإحياء السكك الحديدية العثمانية. وفي عام 2016، أعادت إسرائيل فتح أحد هذه المسارات التاريخية. وسيصل خط السكة الحديد إلى الأردن في الشمال عند معبر نهر الأردن/ جسر الشيخ حسين، والسلطة الفلسطينية عند حاجز الجلمة بالقرب من جنين شمال الضفة الغربية.

وبهذا، سيصبح الأردن البوابة الجديدة لدول الخليج للبضائع القادمة من الغرب، مع إنشاء منطقة تجارة حرة بوصفها محورًا ونقطة أولى لتوزيع البضائع. وستكون أيضًا نقطة وصل للطاقة ليجري نقلها عبر أراضيها إلى الموانئ الإسرائيلية وإلى الغرب. وسيربط خط السكة الحديد الجديد الأردن بشمال المملكة العربية السعودية وجنوبها. ويهدف المخطط إلى انضمام السعودية والعراق في نهاية المطاف إلى هذا الاتفاق.

كيف سيُغير التطبيع الإماراتي قطاع الطاقة في الشرق الأوسط؟

تطبيع سعودي على قائمة الانتظار

ولا توجد علاقات دبلوماسية علنية بين الرياض وإسرائيل؛ مما يجعل من شبه المستحيل عليها المشاركة في أي من هذه المشروعات. وقد سُجِّل عن الملك سلمان قوله إنه لن يكون هناك تطبيع مع إسرائيل حتى يجري التوصل إلى حل نهائي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

لكن هذا لا يعني أن المملكة التي تتميز بطابع صحراوي ليست حريصة على السير على خطى جيرانها الخليجيين في إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. بينما أدلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للبلاد، بتصريحات يبدو أنها تشير إلى دعمه لإقامة علاقات كاملة في نهاية المطاف.

وصرَّح مصدر في الرياض، طلب عدم الكشف عن هويته، لوكالة «ميديا ​​لاين»، قائلًا إن هناك صدامًا بين الحرس القديم والجديد، و«إنها مسألة وقت فقط قبل إتمام عملية (التطبيع)».

كما يقول المصدر إن خطة رؤية السعودية 2030 لمحمد بن سلمان للحد من اعتماد المملكة على النفط، وتنويع اقتصادها، وتطوير قطاعات الخدمات، تضع إسرائيل في الاعتبار.

وأضاف المصدر المُقيم في الرياض قائلًا: «ابن سلمان يعلم أنه بحاجة إلى المضي قُدمًا في خطته؛ لأنه يعمل على تنويع الاقتصاد، ويتنافس إقليميًّا على حصة السوق».

ويريد ولي العهد أن يضم ثروة المملكة إلى خبرة إسرائيل في عديد من المجالات. ووفقًا للمخطط الجديد، سيدعم هذا التعاون أيضًا الاقتصاد الفلسطيني على النحو الوارد ذكره في خطة السلام التي وضعها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في يناير (كانون الثاني) 2020.

وصرَّح عايض سويدان، المتخصص السعودي في شؤون الاقتصاد والطاقة، لوكالة «ميديا ​​لاين» قائلًا إنه لا يتوقع «أي تغيير فوري في سياسات النفط والغاز والخطط المستقبلية لدول مجلس التعاون الخليجي»؛ لأن معظم الصادرات السعودية تتجه إلى آسيا وإلى أوروبا بدرجة أقل.

وأضاف قائلًا: «الدول الرئيسة التي تصدر المملكة النفط إليها هي الصين والهند، بينما تصدِّر إلى الولايات المتحدة نسبة أقل. ولا أرى أي علاقة بين توقيع الاتفاقيات والمشروعات الجديدة». ومع ذلك، يرى سويدان أن هذا يمكن أن يتغير مع سعي المملكة لتنويع مواردها المالية.

وتابع قائلًا: «إن الحكومة حريصة على أن تظل قادرة على المنافسة والتأكد من أنها تخلق فرصًا جديدة لمواطنيها. وهذا يسير جنبًا إلى جنب مع الرؤية السياسية للمملكة».

وبمجرد الموافقة على تلك المشروعات، لن يمثل تمويل تلك المشروعات العملاقة مشكلة؛ إذ تتوق كبرى صناديق الاستثمار الإماراتية والإسرائيلية إلى تمويلها. وسيكون هناك رابحون وخاسرون في المساعي الجديدة، يقول كومان إذا وافق الفلسطينيون على الانضمام إلى هذا الاتفاق فإن ذلك «سيغير حياتهم».

السعودية وإسرائيل

وقال: «سيستفيد الفلسطينيون استفادة كبيرة من مثل هذه المشروعات. وعلى الجانب الاقتصادي، ستعود الأمور إلى نصابها من جديد. لكننا بحاجة إلى كثير من التفاؤل من أجل تحقيق ذلك».

مخاوف لبنان

ومن المؤكد أن لبنان أيضًا يراقب ما يحدث وسط مخاوف من أن الواردات الخليجية من أوروبا سوف تمر عبر حيفا بدلًا من بيروت، الأمر الذي قد يؤدي إلى الهلاك لبلد يعاني بالفعل على الصعيد الاقتصادي والمالي والسياسي.

كما سيتحدى الإطار الجديد تأثير روسيا، مورِّد الغاز الرئيس إلى أوروبا. يقول كومان: «إن أوروبا محبطة للغاية من اعتمادها على الغاز والنفط الروسيين. ومن ثم هناك حماسة كبيرة في أوروبا للحصول على بديل».

واختتم الكاتب تقريره بتنبؤ كومان، الذي قال: «أعتقد أنه إذا أصبح خط الأنابيب هذا حقيقة واقعة وتَدَفق الغاز من إسرائيل عبر قبرص واليونان إلى أوروبا، فسيكون ذلك رائعًا للغاية بالنسبة لنا ولدول الخليج».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».