تاريخ

21:00 22 سبتمبر, 2020

تشارلي ويلسون.. رجل الملاهي الليلية الذي هزم السوفيت في أفغانستان

في 15 فبراير (شباط) عام 1989 خرج آخر جندي سوفيتي من الأراضي الأفغانية، بعد أن وقع الاتحاد السوفيتي على اتفاقية الانسحاب من أفغانستان في جنيف قبل ذلك بشهور قليلة، وجاء الانسحاب السوفيتي بعد تواجدهم في أفغانستان حوالي 10 سنوات، ارتكب السوفيت فيها انتهاكات ضد المدنيين والسياسين، وذلك دفع أنظار العالم كله إلى شجب ما يحدث، وما نعرفه في بلادنا العربية هو حملة الجهاد الشهيرة التي قادتها الدول العربية – بدعم أمريكي – لدعم المقاتلين الأفغان ضد السوفيت، ولكن ما لا يعرفه الكثيرون أن الولايات المتحدة لم تكن لتتحرك في هذا الاتجاه؛ لولا دور شخص واحد، ويدعى تشارلي ويلسون.

من هو تشارلي ويلسون؟ وما علاقته بحرب الأفغان ضد السوفيت؟

في بداية العام الأول من ثمانينيات القرن الماضي، كان أحد أعضاء الكونجرس ويدعى تشارلز ويلسون يلهو في حوض سباحة وهو ثمل مع مجموعة من الفتيات العاريات، وهذا شيء ليس بغريب على الرجل المعروف بنزواته النسائية التي لا حصر لها، حتى أن طاقم العمل الذي كان يدير مكتبه في قلب الكونجرس كان جميعًا من الفتيات الجميلات صغيرات السن اللاتي يرتدين دائمًا ملابس لا تلائم الزي المعتاد في الرواق السياسي الرسمي لا في أمريكا ولا في أي مكان آخر في العالم.

وفي إحدى النزوات في لاس فيجاس حدث شيء مختلف؛ إذ لاحظ تشارلز ويلسون أن التلفاز القريب من حوض السباحة يذيع تقريرًا لشبكة الأسوشيتد برس – وكان ويلسون مولعًا بالأخبار كما هو مولع بالنزوات – وكان التقرير لأحد المراسلين الأمريكيين في أفغانستان، الذي كان يتحدث عن عملية وحشية قام بها الجيش الأحمر السوفيتي؛ حين قام  بمذبحة في إحدى القرى الأفغانية بحثًا عن بعض الأفراد الذين كانوا ينتمون للمقاومة التي تحركت ضد التواجد السوفيتي في البلاد.

عرض التقرير أيضًا بعض المشاهد الصعبة لمئات الآلاف من الأفغان وهم ينزحون عن بلدهم هربًا من الصراع الدامي الذي نشأ قبل بضعة سنوات بسبب الحرب الأهلية والصراعات السياسية؛ ثم ازداد سوءًا بالتدخل السوفيتي في أفغانستان، وفي نهاية التقرير التلفزيوني ذكر المراسل بعض القصص البطولية عن المحاربين الأفغان الشجعان الذين كانو يتسللون ليلًا لقتل الجنود السوفيت بالحجارة والسكاكين وبعض الأسلحة البدائية التي بكل تأكيد لا تقارن بالأسلحة المتطورة التي كان يمتلكها الجيش الأحمر في ذلك الوقت. 

في اليوم التالي، وبحسب رواية ويلسون للأحداث، وصل الرجل إلى مكتبه في واشنطن، وكان أول شيء فعله هو الاتصال بسكرتير لجنة المخصصات في الكونجرس، وسأله «ما هي الميزانية التي خصصها الكونجرس لوكالة الاستخبارات الأمريكية «CIA» لمواجهة التمدد السوفيتي في أفغانستان؟»؛ فأجابه  السكرتير أن المبلغ هو 5 مليون دولار فقط.

لم يفكر تشارلز ويلسون للحظة وقال له «ضاعفها إذًا». بالطبع رقم 5 ملايين دولار رقم ضئيل جدًا؛ لأن وكالة الاستخبارات الأمريكية كانت اللاعب الأول في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي التي استمرت لسنوات طويلة أنفق كل من الطرفين فيها مليارات الدولارات لمواجهة الآخر؛ فكيف للولايات المتحدة أن تخصص 5 ملايين دولار فقط؟

الإجابة هي أن وكالة الاستخبارات الأمريكية في هذا الوقت كانت لديها سمعة سيئة بعد تضليل الرأي العام الأمريكي عن حقيقة ما يحدث في حرب فيتنام، بجانب تورطها في حادثة «واترجيت /Watergate» التي أطاحت الرئيس ريتشارد نيكسون، ولذلك، الرئيس الجديد وكان جيمي كارتر وحزبه الديمقراطي المسيطر على الكونجرس يحاول إبعاد وكالة الاستخبارات الأمريكية عن الصورة السياسية قدر المستطاع، حتى أن القرار الأهم الذي اتخذه كارتر ضد التدخل السوفيتي في أفغانستان؛ كان مقاطعة دورة الألعاب الأولمبية التي أقيمت في موسكو في عام 1980. ولكن كل هذا تغير بعد تدخل تشارلز ويلسون والدور الكبير الذي لعبه، فأصبح الرقم الذي دعمت به الولايات المتحدة الأمريكية أفغانستان هو 20 مليار دولار.

حفلة فارهة أخرى.. ولكن لدعم أفغانستان هذه المرة

كان تشارلز ويلسون سيكتفي بمضاعفة المبلغ المخصص لوكالات الاستخبارات إلى 10 ملايين دولار؛ فهو كان فقط عضوًا في مجلس النواب بالكونجرس وعضو في لجنتي المخصصات والدفاع ولا يمكنه أن يفعل أكثر مما فعل، حتى أنه لم يفكر في أي خطوات أخرى، وعاد لممارسة عمله السياسي صباحًا، واللهو في الحفلات ليلًا، وبعد أيام قليلة تلقى ويلسون اتصالًا هاتفيًّا من سيدة تدعى «جوان هيرينج» تدعوه إلى إحدى حفلاتها الفارهة في ولاية تكساس التي يمثلها ويلسون في الكونجرس.

جوان هيرنج كانت سيدة مجتمع أمريكية تنتمي إلى واحدة من العائلات التي تسيطر على صناعة البترول في الولايات المتحدة، ومعروف عنها انتماؤها للاتجاه المحافظ، ولكن هذا لم يمنعها من دعم ويلسون في كل انتخابات كان يخوضها في الولاية، وكانت جوان هيرنج تعرف نفسها دائمًا أنها من المعارضين البارزين للشيوعية، والتي يمثلها الكيان الشيوعي الأكبر في العالم وقتها الاتحاد السوفيتي.

عندما وصل تشارلز ويلسون للحفل وقابل جوان تفاجأ أنها تعلم ما فعله بزيادة ميزانية وكالة الاستخبارات لدعم أفغانستان، وأبلغته أنها بالفعل بدأت بالتحرك لمساعدة أفغانستان، وأنها قد قامت بالفعل بزيارة سرية إلى أحد مخيمات اللاجئين الأفغان على الحدود الباكستانية الأفغانية، وأعطته خطابًا كتبه أحد الأطفال إلى الولايات المتحدة يتوسل إليها بالقدوم ومساعدتهم ضد العدوان السوفيتي، ولكن هذا لم يؤثر في تشارلز ويلسون وأبلغها أنه لا يستطيع أن يفعل أكثر مما فعل؛ ولكنها استمرت في إقناعه أنه الرجل الوحيد الذي يمكنه إنقاذ الشعب الأفغاني وهزيمة السوفيت، ووعدته بزيادة دعمها له في الانتخابات المقبلة.

جوانا هيرنج

ولكن قبل أي شيء وقبل أن يتخذ تشارلز ويلسون قراره، أخبرته جوانا أنها حددت له موعدًا مع الرئيس الباكستاني «محمد زيا» الذي سوف يشرح له الصورة الكاملة في أفغانستان ويساعده على التخطيط لمساعدة أفغانستان، عارض تشارلز في البداية لأن التعاون مع باكستان – وهي دولة مسلمة – قد يضر بعلاقته مع إسرائيل التي يمول رجالها في أمريكا حملة تشارلز الانتخابية، ولكنه وافق في النهاية على أن تكون الزيارة فقط من باب المجاملة.

التحرك في الخفاء.. داخل الكونجرس وفي باكستان وإسرائيل ومصر 

لم تكن الجلسة بين ويلسون ورئيس باكستان تسير على ما يرام؛ فتشارلي ويلسون جاء فقط من أجل مجاملة أحد داعميه، في حين رئيس باكستان يعتقد أنه جاء من أجل دعم باكستان وأفغانستان بالسلاح، ولكن في نهاية الجلسة طلب محمد زيا من ويلسون أن يذهب بنفسه إلى أحد مخيمات اللاجئين الأفغان في باكستان لكي يرى بنفسه ما فعله السوفيت؛ وبالفعل لبى ويلسون الدعوة وذهب إلى المخيم، ويبدو أن الزيارة الإنسانية قد غيرت موقفه بحسب روايته للأحداث واتخذ قرارًا جديدًا؛ وهو التفكير في خطوات جدية لمساعدة الأفغان ضد السوفيت.

عاد تشارلي مسرعًا إلى مكتبه في الكونجرس؛ لكي يفاجأ أن الصحافة الأمريكية تتحدث عن واقعة وجوده في حمام سباحة مع مجموعة من الفتيات العاريات في لاس فيجاس، وأبلغته إحدى مساعديه أن لجنة الأخلاق في الكونجرس سوف تقوم بإعداد تحقيق في الواقعة، لأن أحد الشهود قال إن الفتيات كانوا يتعاطون المخدرات مع تشارلي ويلسون. كان من الممكن أن ينصرف تشارلي ويلسون عن قضية أفغانستان، والتفرغ للتحقيق؛ لا سيما وأن واقعة لاس فيجاس كفيلة بإنهاء مسيرته السياسية مدى الحياة، ولكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا؛ فقد اتخذ ويلسون من تلك الحادثة غطاءً له حتى يتمكن من التحرك بسرية داخل الكونجرس ووكالة الاستخبارات لتطوير المساعدات المادية والعسكرية إلى المقاتلين في أفغانستان، وشرع في التعاون مع مسؤول مكتب أفغانستان في وزارة الخارجية ويدعى «جست أفراكوتوس»، وتم وضع الخطة التي كانت تتمركز حول:

1- إمداد  المقاتلين الأفغان عبر باكستان بأكبر عدد ممكن من السلاح اليدوي والأر بي جي المضادة للطائرات.

2- لا يجب أن تكون هذه الأسلحة من الطراز الأمريكي حتى لا تقع الولايات المتحدة تحت وطأة الصدام المباشر مع السوفيت، بل يجب أن تكون الأسلحة من صناعة الاتحاد السوفيتي.

3- التعاون مع إسرائيل ومصر لشراء الأسلحة السوفيتية منهم، لأنهم يمتلكون أضخم مخزون للأسلحة السوفيتية خارج الاتحاد السوفيتي.

4- أن تقوم السعودية بقيادة دول الخليج لجمع التبرعات المادية، ونشر فكرة الجهاد لكي يتطوع المسلمون من كافة الدول العربية للانضمام إلى المقاومة الأفغانية.

5- في نفس الوقت يضغط كل من تشارلي ويلسون وجوانا هيرنج على رئيس لجنة الدفاع في الكونغرس «دوك لونج» للحصول على أكبر تمويل ممكن، لأن لجنة الدفاع تمتلك ميزانية غير محدودة للعمليات العسكرية الخارجية التي من المفترض أنها تهدد الأمن القومي الأمريكي. 

وبالفعل نجحت كل عناصر خطة تشارلي ويلسون؛ المقاتلون في أفغانستان حصلوا على السلاح، وبدأو في إسقاط الطائرات السوفيتية واحدة تلو الآخرى، وتدمير الدبابات بأرقام كبيرة، وأصبح الجيش السوفيتي محاصرًا بالمشاكل بشكل مفاجئ، فهو يعتمد فقط على الطائرات والدبابات في الهجوم على أفغانستان، لأن الطبيعة الجغرافية لن تسمح بإنزال جنود مشاة أو استخدام مدفعية.

في الوقت نفسه كان تشارلي ولسون يستغل انتصارات الأفغان؛ للتسويق إلى قضيتهم داخل الكونجرس والحصول على دعم أكبر، وتم إطلاق حملة ضخمة إعلامية وسياسية لدعم المقاومين الأفغان الذين عرفوا باسم «مقاتلي الحرية»، وبعد سنتين من بداية الدعم العسكري بين 1987-1988، وصل الدعم العسكري الأمريكي إلى 20 مليار دولار، وتمكن الأفغان من طرد السوفيت من بلادهم بعد الدور الكبير الذي لعبه تشارلي ويلسون في الحرب ضد السوفيت.

ويلسون يتحدث عن دوره في حرب أفغانستان 

لم يحظ تشارلي ويلسون بالشهرة الكافية لما فعله في حرب أفغانستان، ولم يمكنه ما فعله في أفغانستان من تقلد منصب سياسي أكبر لا في الكونجرس ولا حتى في الحكومة الأمريكية.

في عام 2003 نشر الكاتب الأمريكي جورج كريل كتابه الشهير بعنوان «Charle’s Wilson War»، يسرد فيه قصة ودور تشارلي ويلسون في دعم الأفغان، وفي عام 2007  تحول الكتاب إلى فيلم بنفس العنوان، جسد شخصية ويلسون فيه الممثل العملاق توم هانكس، وشاركت في بطولته الممثلة الشهيرة جوليا روبرتس والتي لعبت دور سيدة المجتمع جوانا هيرينج، وحظي الفيلم بشهرة كبيرة لأنه لأول مرة يعرف العالم الدور الكامل لتشارليز ويلسون

صورة تجمع تشارلي ويلسون وتوم هانكس بعد العرض الأول للفيلم