عربي

15:04 05 أغسطس, 2020

مترجم : كيف تستخدم الأنظمة الديكتاتورية العربية العقاب الجماعي مع المعارضين؟

أنظمة الحكم في الشرق الأوسط لا تكتفي باستهداف المعارضين على نحو متزايد، بل تلاحق أفراد عائلاتهم أيضًا.

كتبت علا سالم، وهي صحافية بريطانية – مصرية غطت منطقة الشرق الأوسط على مدار عقد، تقريرًا في مجلة فورين بوليسي حول مساعي نظم الشرق الأوسط الاستبدادية لتوسيع العقوبات ضد المعارضين، عن طريق ملاحقة أفراد عائلاتهم بالحرمان من الوظائف والعزلة الاجتماعية، والسجن وحتى التدخل في علاقاتهم الاجتماعية كالزواج والطلاق وخلافه.

وتستهل الكاتبة تقريرها بتجربة محمد علي المعارض المصري الموجود في إسبانيا، قائلة: «عندما بدأ محمد علي في تثبيت هاتفه الخلوي على مكتبه في إسبانيا، لم يتوقع أن تسفر الفيديوهات التي صورها عن انتفاضة في بلده مصر؛ فالفيديوهات التي صورها المقاول الذي تحول إلى مبلغ عن الفساد، وكشفت عن الإنفاق الباذخ للرئيس عبد الفتاح السيسي وأسرته، أدت في نهاية المطاف إلى مظاهرات نادرة مناوئة للحكومة في كل أنحاء البلاد في سبتمبر (أيلول) الماضي؛ إلا أن ما توقعه هو أن يستهدف النظام أسرته وسيلةً للتشكيك في مصداقيته.

الأنظمة الديكتاتورية العربية والعقاب الجماعي ..أسرة محمد على تتبرأ منه

تبرأ منه والده علانية على شاشة التلفزيون المصري، واتهمه شقيقه ووالدته بسرقة شقيقه الراحل، وقال علي لكاتبة التقرير في مكالمة هاتفية من إسبانيا: «عائلتي تكذب؛ إنهم مؤيدون للسيسي. لم أفاجأ بما قالوه، نحن نعيش في ظل ديكتاتورية. حسب معلوماتي، لقَّنوهم ماذا يقولون بدقة».

في عدة مناسبات، اتصل به والده وطالبه بالاعتذار علنًا عن مقاطع الفيديو، ويقول علي: «سألني لماذا أفعل مثل هذا الشيء، لقد كنا سعداء. قال لي إنهم سيقتلونني». ويضيف علي: «بكيت، لكن لا عودة للوراء». في الشهر الماضي، ظهرت أنباء تفيد بأن مصر تسعى لتسلمه من إسبانيا بتهمة التهرب الضريبي المزعوم، فيما يواصل السيسي حملةً لا هوادة فيها لإسكات المنتقدين في الخارج.

وتشير الكاتبة إلى أن قصة محمد علي ليست فريدة من نوعها؛ بل إنها جزء من مجموعة متزايدة من المعارضين الذين اختاروا المنفى الذاتي في الخارج؛ لأنه يتيح لهم التحدث بحرية ضد الأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية؛ لكن قوات الأمن مارست ضغوطًا هائلة على كثير من عائلاتهم بهدف ابتزاز أقاربهم في الخارج وإجبارهم على الصمت.

ملاحقة العائلات لم تكن شائعة قبل محمد بن سلمان

في المقابلات التي أجرتها الكاتبة مع العديد من المنتقدين ذوي الصوت العالي، وجدت أن أكثر من نظام يستخدم تكتيكًا متكررًا في الوقت نفسه تقريبًا؛ إذ يُطلب من العائلات الضغط على قريبهم المعارض لإسكاته والتبرؤ منه، وتشويه سمعته واستنكار أفعاله، وتواجه العائلات التي لا تمتثل لذلك حظر السفر والعزلة الاجتماعية، وفقدان الوظائف، وحتى السجن؛ لكن من دأبوا على انتقاد الحكومة لفترات طويلة يقولون إن هذه الأساليب لم تكن شائعة أو منهجية على هذا النحو في الماضي.

وتوضح علا سالم أنه في السعودية، على سبيل المثال، ارتبط جانب كبير من هذه الاستراتيجية بالفترة التي تبعت شغل محمد بن سلمان منصب ولي العهد في عام 2017م، وتحديدًا بعد أن بدأ سلسلة من حملات القمع على المنتقدين والشخصيات المؤثرة، والشخصيات الملكية، والنشطاء، والباحثين، ورجال الدين.

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك اعتقال رجل الدين سلمان العودة في سبتمبر (أيلول) عام 2017م، وعلى الرغم من أنه اعتقل سابقًا قبل وصول محمد بن سلمان إلى السلطة، وسجن من عام 1994م، إلى عام 1999م، فإن نجله عبد الله العودة يقول إن عائلته لم تتعرض للمضايقة أبدًا في ذلك الوقت.

والآن يحظر السفر على 18 فردًا على الأقل من أسرة العودة، بمن فيهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم التاسعة، ويقبع عمه في السجن لتغريده عن العودة، ويجرى تفتيش منزلهم مرارًا وتكرارًا. وفي تطور غريب للأحداث، وبعد أن مُنعت عائلته من زيارة العودة في السجن، سُمح لصحافي سعودي بإجراء مقابلة معه، حيث وصف السجن بأنه مكان للاسترخاء، ونقل الصحافي أيضًا عن العودة أنه طلب من نجله عبد الله التوقف عن حملته لمساعدة أبيه، والتركيز على دراسته. (ويقول عبد الله إن هذا الطلب كان غريبًا، لأنه كان قد أنهى دراسته بالفعل ويعرف والده ذلك).

أسرة الهذلول اضطرت للحديث بسبب الفظائع

وتعرضت لجين الهذلول، وهي ناشطة بارزة في مجال حقوق المرأة، للتحول نفسه في التكتيكات. وخلافًا لما كانت عليه الحال عند اعتقالها الأولي في عام 2014م، عندما تعرضت للاعتقال مرة أخرى في عام 2018م، فرض حظر سفر على والديها، وأعيد زوجها قسرًا من الأردن إلى السعودية. طلقها زوجها  في وقت لاحق، ولكن ما يزال من غير الواضح ما إذا كان ذلك بسبب ضغوط الحكومة. وتعرض أشقاؤها للضغط لكي يلتزموا الصمت بشأن قضيتها، لكنهم تحدثوا في نهاية المطاف بعد أن علموا بالتعذيب والتحرش الجنسي الذي تعرضت له لجين في السجن.

وقالت هالة الدوسري، وهي ناشطة وباحثة سعودية بارزة: «حاول العديد من [المنتقدين وأفراد العائلة] التزام الصمت، ولكن الشيء الجديد بخصوص محمد بن سلمان (مشيرة إليه بالأحرف الأولى من اسمه التي يشتهر بها) هو أنه حتى إذا التزمت الصمت، فلن يغير ذلك المسار». وأضافت: «هذا جديد في السعودية. إنهم بالأساس يقولون: نحن نلاحقك ونلاحق عائلتك، وليس هناك مجال للتفاوض. هذا هو السبب في أن الصمت لا يساعد».

بن سلمان

تحولات حظر السفر بين محمد بن سلمان وسلفه

في حين أن حظر السفر لا يعد جديدًا في السعودية، فإنه في عهد ولي العهد السابق محمد بن نايف – الذي همشه محمد بن سلمان في عام 2017م – كان يراجع سنويًّا ويمكن الطعن فيه، وفقًا لما تذكره هالة.

لم يعد هذا هو الحال، ومن غير المعروف عدد الأشخاص المحظور سفرهم في السعودية، لكن العدد يقدر بالآلاف. وتقول هالة «في ظل عهد محمد بن سلمان يفرض (حظر السفر) إلى أجل غير مسمى».

وشملت هذه الجهود ضغوطًا مباشرة في الدول الغربية التي نفى النشطاء إليها. ففي عام 2018م، على سبيل المثال، قام أحد أشقاء عمر عبد العزيز اللاجئ السياسي في كندا، وهو منتقد صريح لمحمد بن سلمان، بزيارته، برفقة رجلين قالا إنهما يحملان رسالة من ولي العهد.

وطلب من عبد العزيز إما الذهاب إلى السفارة السعودية في كندا، وإما العودة إلى السعودية معهما. لم يستجب عبد العزيز لأي من الطلبين. وسجن شقيقه عند عودته إلى السعودية، مع عدد من أصدقاء عبد العزيز، في محاولة لممارسة المزيد من الضغط عليه. بعد ذلك بعامين، ومع عدم وجود علامة على تباطؤ أنشطة عبد العزيز، حذرته السلطات الكندية من أنه أصبح هدفًا محتملًا للحكومة السعودية.

وكما هو الحال في قضية عبد العزيز، الذي احتجز أفراد أسرته رهائنَ، يستخدم التكتيك نفسه مع سعد الجبري، ضابط المخابرات السعودي السابق، الذي ساعد في إحباط مؤامرة للقاعدة ضد الغرب. إذ اعتقلت الحكومة السعودية اثنين من أبنائه وأحد أشقائه للضغط عليه للعودة إلى الوطن. (بعد مقتل جمال خاشقجي في 2018، أقر المسؤولون السعوديون بوجود أمر مفتوح بإعادة المعارضين إلى الوطن ولم يحدد الأمر الطريقة).

يشتبه النشطاء في أن المضايقات العائلية أصبحت رد الفعل البديهي بسبب العلاقة الوثيقة بين ولي عهد الإمارات محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، ولا سيما أن الإمارات استخدمت مثل هذه الأساليب قبل سنوات.

ينقل التقرير عن آلاء الصديق، الناشطة الإماراتية في مجال حقوق الإنسان، التي تعيش في لندن، حيث تسعى حاليًا للحصول على اللجوء، قولها: إن هذا الاتجاه ينتشر في السعودية انتشارًا أكثر ضراوة في السنوات الأخيرة، لكنها هي نفسها واجهت التكتيكات نفسها مباشرة في الإمارات.

وآلاء هي ابنة واحد من 94 مواطنًا إماراتيًّا أدينوا في عام 2013م بتهمة «تعريض» أمن الدولة  للخطر، وهي قضية غطتها الكاتبة أثناء عملها في مطبوعة محلية داخل الدولة في ذلك الوقت.

وقالت آلاء إن 20 من أقارب هؤلاء الـ94 مواطنًا جردوا من جنسيتهم بما فيهم آلاء نفسها. وحُظر آخرون من السفر، وواجهوا العزلة الاجتماعية، ولم يتسن لهم الحصول على وظائف معينة.

الإمارات تمنع زواج شقيقات المعارضين لها

وقالت آلاء من لندن: «إذا تقدم شخص للزواج من أختي، تمنعهم الحكومة من ذلك. نحن لا نعرف بالضبط عدد الأشخاص المحظور عليهم السفر، ولا توجد أوراق أو أوامر تعطى للناس لإبلاغهم. ولكن بمجرد أن يحاولوا عبور الحدود، يجرى إبلاغهم شفهيًّا. هذا التحالف المتنامي بين السعودية والإمارات يؤدي إلى انتهاكات حقوق الإنسان والتكتيكات المستخدمة نفسها». كما لا يبلغ الأشخاص في المملكة بحظر السفر، ولكن يكتشف الأمر عند معابر الحدود.

قال أحد المعارضين، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه خوفًا من الانتقام، إنهم شجعوا أسرهم سرًّا على التنصل منهم، مضيفًا أنه قبل التحدث علنًا، يدرك المعارضون جيدًا أن الحكومة ستبذل جهودًا كبيرة لإسكاتهم، بما في ذلك استهداف أحبائهم.

رفع الصوت في الخارج يأتي بثماره

مع تبني الأنظمة تكتيكات أكثر قسوة ضد منتقديها على نحو متزايد، يلجأ المعارضون في الخارج إلى اتخاذ إجراءات قانونية لتسليط الضوء على من ينتهكون حقوقهم. ومن خلال هذا النهج، تتعرض الحكومات الغربية لضغوط داخلية للتنديد بمنتهكي حقوق الإنسان، حتى مع محاولتهم الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية في المنطقة.

في وقت سابق من هذا العام، بدأ عدد من السجناء السعوديين وحلفائهم في الاستعانة بمحامين وجماعات ضغط، ونقلوا قضاياهم إلى الولايات المتحدة. وفي الآونة الأخيرة، رفع الناشط المصري الأمريكي محمد سلطان، الذي تعرض للتعذيب أثناء سجنه في مصر، دعوى قضائية في واشنطن العاصمة ضد رئيس الوزراء السابق حازم الببلاوي لإصدار أمر باعتقاله في 2013م.

ردًّا على ذلك، اعتقلت الحكومة المصرية خمسة من أبناء عمومة سلطان واستجوبت والده قبل نقله إلى مكان مجهول. وأبلغت الحكومة المصرية الأسرة بأنهم محتجزون رهائنَ حتى يتخلى سلطان عن الدعوى. ووصف صناع السياسة الأمريكيون الاعتقالات بأنها تدخل واضح في أعمال السلطة القضائية الأمريكية.

الديكتاتور المفضل لترامب لن يترك له الحبل على الغارب

من المرجح أن تسبب الملاحقة المستمرة للمعارضين وعائلاتهم صداعًا دبلوماسيًّا مستمرًّا للغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص – سواء في ظل الرئيس الحالي دونالد ترامب أو في ظل منافسه الانتخابي جو بايدن – ما لم يُبذل جهد جماعي للضغط على الأنظمة في المنطقة لتحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان.

وأعرب بايدن بالفعل عن قلقه بشأن مضايقة عائلة سلطان وحذَّر من أنه لن يكون هناك مزيد من الشيكات على بياض «للديكتاتور المفضل» لترامب، في إشارة إلى السيسي، مما يقدم لمحة عما يمكن أن تعنيه رئاسته لمصر والنظم الأخرى في المنطقة.

تتابع الكاتبة: من المؤسف أن مصر في قضية سلطان مارست ضغوطًا دبلوماسية على وزارة الخارجية الأمريكية لمنح الببلاوي حصانة دبلوماسية من دعوى التعذيب، والتي أعلنتها الوزارة الآن. لن يؤدي هذا إلا إلى المزيد من الضغط على عائلة سلطان، وكذلك على الآخرين الذين ينتظرون في الطابور لتحقيق العدالة مع منتهكي حقوقهم وتحرير أسرهم.

وتختتم الكاتبة التقرير بقولها: «بينما لا تستطيع الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى تصدير قيم حقوق الإنسان الخاصة بها إلى العالم العربي، يمكنها على الأقل مساعدة أولئك الذين يهربون في الحصول على العدالة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمواطنين لها. ومن المحتمل أن يشجع أي رد فعل أقل من ذلك هذه الأنظمة على المضي أشواطًا أبعد في قمعها».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».