تاريخ

18:00 04 أغسطس, 2020

قصة أكبر ثورات صعيد مصر على حكم محمد علي باشا

بعد عقود من زوال دولة شيخ العرب همام في جنوب الصعيد، ونهايتها المفاجأة التي قال عنها الجبرتي إنها زالت من التاريخ «كأنها لم تكن»، وصل محمد علي باشا إلى حكم مصر، وكان الصعيد قد ظل لعقود مركزًا يقع في قلب طرق التجارة الهندية والعربية وشرق أفريقيا وشمالها.

خلال سنوات حكم الباشا، لم تشهد مصر انتفاضات كتلك التي شهدها الصعيد، إذ حدثت سلسة تمردات غير مسبوقة منذ عام 1820 كانت ذروتها عام 1824، حين قامت أكبر الثورات على حكم محمد علي، فما قصة هذه الثورة التي احتشد فيها الآلاف؟ وكيف انتهت؟

الجنوب صعب المنال

تخبرنا الدكتورة زينب أبو المجد، أستاذة تاريخ الشرق الأوسط في جامعة أوبرلين بالولايات المتحدة، في كتابها «إمبراطوريات متخيلة.. تاريخ الثورة في صعيد مصر» أن الجنوب لم يدن لحكم محمد علي سريعًا حين ملك زمام الأمور في مصر عام 1805، إذ خاض حروبًا طاحنة امتدت لست سنوات لتتم له السيطرة على صعيد مصر، وكان أمره قد آل إلى المماليك في العقود الأخيرة.

سعى محمد علي باشا لضم الصعيد في دولة مركزية مصرية موحدة، ونجح ابنه وقائد جيشه إبراهيم باشا في آخر هذه المعارك عام 1811م بقنا في إخضاع الجنوب.

كان الصعيد قبل قدوم محمد علي يتمتع بحكم ذاتي لقرون طويلة بسيطرة قبائل الهوارة على مقاليد الحكم، وتمتع بانتعاش اقتصادي كبير بسبب وفرة المحاصيل فضلًا عن نمو التجارة.

وكانت السيطرة على الصعيد تعني للباشا سيطرة على موارد اقتصادية ضخمة جدًا، تمهد له طريقه نحو مستعمرات أخرى في السودان والحجاز واليمن.

لهذا استهل الباشا حكمه بعملية إخضاع قمعية بعد أن استتب له الأمر هناك، فعين ابنه المنتصر حاكمًا على «ولاية الصعيد» وأرسل موظفي نظامه للسيطرة على موارده والانطلاق منه إلى أراضٍ أخرى يضمها إلى إمبراطوريته بالاعتماد على تلك الثروات، وبدأ إبراهيم سريعًا في تحقيق أهداف الباشا؛ السيطرة على الثروات بكل الوسائل الممكنة لإرسالها إلى القاهرة.

غلال بلا ثمن

تذكر زينب أبو المجد في كتابها أن السجلات الرسمية عن مديرية قنا المحفوظة في دار الوثائق القومية المصرية تنمّ عن علاقة مضطربة بين الحكومة المركزية في القاهرة وأهالي الصعيد في تلك الفترة، إذ تعج بآلاف الشكاوى التي رفعها الأهالي للمسؤولين، وتحكي كيف استولى إبراهيم باشا على غلال الصعيد عنوة وأرسلها إلى القاهرة؛ لا لتملأ صوامع إسطنبول كما جرت العادة لقرون سابقة، وإنما ليبيعها الباشا بأسعار مضاعفة إلى أوروبا.

بعد أشهر قليلة، احتكر محمد علي تجارة الغلال في الصعيد، وأصدر مرسومًا عام 1812 يحظر على التجار المحليين المشاركة في التجارة، واقتحم موظفوه بيوت الفلاحين فاستولوا على كل ما وصلته أيديهم من الحبوب، حتى ما كان مخزنًا منها للقوت لا للتجارة، دون دفع ثمنها – بحجة أنها ستخصم من ضرائب العام التالي – وحُملت في مراكب تجارية هائلة في طريقها إلى القاهرة.

راكم محمد علي ثروات طائلة من بيع الغلال للسفن الأوروبية الراسية في ميناء الإسكندرية في انتظار القمح لتحمله إلى أوروبا التي عانت من نقص فيه أثناء الحروب النابليونية، في مقابل أسعار مضاعفة، بينما راح موظفوه في الصعيد يجمعون الغلال لإرسالها إلى جنود إبراهيم باشا في الحجاز، وسط محاولات من القبائل العربية للإغارة على القوافل وعرقلة وصولها إلى معسكرات الجيش.

الخيوط في يد الباشا وحده

في غضون سنوات، وبسبب توفر رأس مال كبير من احتكار التجارة، تمكن محمد علي باشا من توفير التمويل اللازم لإصلاحاته في الجيش ونُظم التصنيع والزراعة في البلاد، فكان قراره بإلغاء نظام الالتزام على الأراضي الزراعية، وأحكم السيطرة على الاحتكارات الزراعية، وصادر الأراضي من الملتزمن العرب وبينهم قبائل الهوارة، كما صادر أراضي الوقف ووزعها على الفلاحين، مثلما فعل في الوجه البحري.

راح إبراهيم باشا يوزع البذور على الفلاحين مع بداية كل موسم، فأجبرهم على زراعة محاصيل بعينها ولم يراعِ قدرة كل فلاح وأسرته، ووضع نظامًا صارمًا لمن يفشل في زراعة قطعة الأرض المخصصة له.

أيضًا استطاعت دولة محمد علي التوسع في السودان، والحجاز، واليمن، والتحكم في طرق التجارة على البحر الأحمر، واحتكرت أيضًا تجارة البن اليمني وتجارة الرقيق والسلع السودانية.

كان بين ما سيطر عليه الباشا أيضًا أنشطة صناعة وتصدير منسوجات محافظة قنا إلى شرق أفريقيا والحجاز، وهي الصناعة التي اعتمدت لقرون على النساجين الأقباط، فأصدر في عام 1820 مرسومًا بمنع تشغيل أي مغزل خاص في مصر.

اشتعال الثورة

قامت ثلاث ثورات في الصعيد بين الأعوام الأربعة من 1820 إلى 1824 فقط، كان آخرها وأكبرها ثورة قادها الشيخ أحمد وحشد فيها نحو 40 ألفًا من الفلاحين.

كتب الرحالة البريطاني جيمس سانت جون عن الثورة التي صادف قيامها في محافظة قنا أثناء تواجده فيها فقال: «لم يكن الأمر مفاجأة لي لأنني كنت أعرف جيدًا درجة المقت الشديد لحكم الباشا في البلاد، كانت أنماط المشاركين في الثورة وآمالهم وأسباب تمردهم شديدة التميز، كان على رأسهم شيخ يزعم أنه نبي ملهم وعد أتباعه بالنصر باسم السماء، ومع ذلك يبدو أن أنصاره لم ينخدعوا إطلاقا بمزاعمه الإلهية هذه، فلم يصدقوا أنه كان ملهمًا من السماء».

كان الشيخ أحمد ينتمي إلى قرية السليمية، وكان أحد التجار الذي تضرروا من احتكار محمد علي للتجارة، فرفض أن يدفع الضرائب المقررة لموظفي الباشا، وخرج على الناس زاعمًا أنه المهدي المنتظر، وراج يجوب القرى لينشر دعوته، فتبعه الفلاحون ونصبوه قائدًا لهم واستجابوا بسرعة لدعوته، والتف حوله الآلاف من الفلاحين ووجهاء العائلات العربية، وطاردوا الحاكم التركي لقنا، ففر هاربًا منهم.

من قنا امتد الاحتجاج إلى المديريات المجاورة، وزحف السكان المحليين إلى مقرات الحكام وأسروهم، وحاولت السلطات التصدي للاحتجاج بأساليب التهديد، لكنها لم تُفلح وتطور الموقف لأكبر من ذلك، إذ أعلن الشيخ أحمد نفسه حاكمًا على قنا وقوص، واستولى على أموال وغلال الميري، وأنشأ ديوانًا للحكم عين فيه رجاله، وسعى لبسط نفوذ في الشمال حتى أسيوط، وجنوبًا حتى أسوان.

Embed from Getty Images

تحكى زينب أبو المجد في كتابها كيف استطاع الشيخ أحمد أن يدير التحالفات الداخلية ويراعي منظومة العلاقات الداخلية، فسارع حين اقترح أحد أتباعه المتطرفين جز رؤوس الأقباط إلى مطالبته بالتسامح وحسن المعاملة، وأدان أحد أتباعه حين اقترح قتل بعض الإنجليز في المنطقة، فكان حريصًا على ألا يمس البريطانيين بسوء، باعتبارهم حلفاء السلطان العثماني، وأعلن أنهم أصدقاؤه وسيحميهم.

اجتمع على الباشا في ذلك العام انتشار الطاعون في القاهرة، وإخماد ثورة الانفصاليين في اليونان نيابة عن السلطان العثماني، لكنه بعد شهرين فقط من استحواذ الشيخ أحمد على الحكم أرسل جيشًا بقيادة أحمد عثمان بك، الذي وصل إلى قنا فأرهب سكانها واندلعت الحرب بين الطرفين.

يحكي الدكتور خالد فهمي في كتابه «كل رجال الباشا» أن السلطات حين قررت إرسال قوات مدربة لمواجهة التمرد كانت أمام خطر كبير، إذ إن أغلب جنود هذا الجيش كانوا من قرى الصعيد المتمردة ذاتها، وقد واجه سكان القرى القوات بضراوة، فقتلوا منهم بعض الضباط، وسرت شائعات بانضمام كثير من الجنود إلى الثورة، وأن عددهم بلغ حوالي 700 جندي، فأمر الباشا بإجراء تحقيق والحكم بالإعدام على كل من ثبتت خيانته، وأُعدم حوالي 40 ضابطًا أمام جنودهم.

هدم أحمد عثمان بك المنازل، وأحرق قرى بأكملها، وتحولت قرية قمولا التي دُفن فيها شيخ العرب همام إلى مكان رمزي للمقاومة، وحقق فيها الشيخ أحمد نصرًا حربيًا على جنود الباشا، لكن النصر تبعته هزائم متتالية أعجزته عن التقدم.

في النهاية، سحقت قوات الباشا جيش الثوار فاختبأوا في الجبال، وتبعهم أحمد عثمان بك، الذي أعلن عن مكافأة لكل من يأتيه برأس أحد الثوار، وهكذا راح متطوعون من الأعراب يجوبون الصحراء بحثًا عن الثوار المختبئين في الجبال وعاد كثيرين منهم برؤوسهم بالفعل، وهرب الشيخ أحمد إلى ميناء القصير ومنه إلى الحجاز وانقطعت أخباره ولم يسمع عنه أحد بعدها أبدًا.

ما غيرته الثورة

يروي الدكتور خالد فهمي في كتابه كيف أثبتت الثورة لمحمد علي ولاء جنوده الجدد الذين لم يتورعوا عن قتل الثوار – من جيرانهم وأقاربهم أحيانًا – لدرجة أن جاويشًا (رقيبًا) من الجيش وجد أباه بين الثوار فقتله، بعد أن فشل في إقناعه بالتسليم، وعلم محمد علي بالواقعة وأمر بترقيته إلى رتبة ملازم، وتصاعدت إثر ذلك موجات التجنيد.

لكنها على الجانب الآخر لعبت دورًا في تغيير تعامل الباشا مع الصعيد، إذ لجأ إلى سياسات ناعمة للسيطرة على الجنوب، استوحاها – كما ترى الدكتورة زينب أبو المجد – من تجربة الاستيطان الأوروبي في الأمريكتين، وحين سمح بالمشاركة السياسية لأهالي مصر وأنشأ مؤسسات حديثة، مثل البرلمان، لم ينل الصعيد نصيبه من التمثيل فيه.

وأدخل محمد علي مزيدًا من المؤسسات الحديثة تضمن له الهيمنة على الصعيد من خلال مستوطنين أتراك، أدت بالصعيد إلى مزيد من التهميش، أعاد النار من تحت الرماد في ثورة أخرى على حكم الباشا عام 1844.