دولي

13:32 03 يوليو, 2020

هل سيتأثر سد النهضة بها؟ 7 أسئلة تشرح لك الاحتجاجات المشتعلة في إثيوبيا

عادت من جديد احتجاجات الأفراد المنتمين لقومية الأورومو في إثيوبيا في مشهد تكرر خلال العام الأخير أكثر من مرة تنديدًا بسياسات الائتلاف الحاكم التي يرونها إقصائية بحقهم، والتي تنوعت مظاهرها بين سجن آلاف منهم، وفرض إتاوات مالية على كثير من المزارعين، والتضييق على أبرز رموزهم السياسية، وفقًا لروايتهم.

الحادثة التي أعادت آلاف من الأورمو للتظاهر هي اغتيال المغني الشاب المشهور هاشالو هونديسا، أمام منزله، في جنوب إثيوبيا، وهو واحد ممن جسدت كلمات أغانيه ظروف معاناة الأورومو، ليُثير مقتله تعاطفًا واسعًا من جانب الآلاف. 

وتتزامن الاحتجاجات التي تخللتها بعض أعمال العنف مع دخول أديس آبابا الجولة الأخيرة لمفاوضات سد النهضة حول النزاع القائم بينها وبين دولتي مصر والسودان، وسط تساؤلات حول مآلات الاحتجاجات الحالية على المستقبل السياسي لآبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي، وهل من شأن توسع أعمال العنف والاضطرابات القائمة في الشوارع أن يلقي بظلاله على إضعاف موقف أديس آبابا في قضية سد النهضة. 

 1- ما الذي فجر احتجاجات الأورومو من جديد بعد شهور من الهدوء؟

مقتل مغن شاب من عرقية الأورومو هو هاشالو هونديسا، البالغ من العُمر 34 عامًا، برصاص مجهول بالقرب من منزله الكائن جنوب إثيوبيا، أثار غضب آلاف المنتمين للأورومو، وجدد مظالمهم نحو سياسة الائتلاف الحاكم «الباطشة» من وجهة نظرهم، خصوصًا أن الفنان الشاب هو أحد النشطاء السابقين في الحركة الاحتجاجية التي قادت جموع المحتجين لإسقاط رئيس الوزراء السابق، والضغط على الائتلاف الحاكم مُمثلاً في آبي أحمد، لاحقًا، للإفراج عن المعتقلين، والكف عن سياسة البطش بحق كُل منتم للأورومو.

بُعد آخر لخلفية الفنان الشاب أجج مشاعر غضب المحتجين تمثل في دور أغانيه في تجسيد مطالب عرقية الأورومو والتعبير عن الأوضاع الصعبة من تهميش وتضييق على حقوقهم السياسية والاجتماعية منذ أمد طويل، ما جعله يعرف في أوساط قومية الأورومو «بفنان الثورة».

«لا تنتظر المساعدة من الخارج هذا حلم لن يتحقق.. قم.. اجعل حصانك جاهزًا وحارب أنت قريب من القصر» كلمات أغنية لهاشالو هونديسا، يدعو خلالها المنتمين لنفس قوميته لعدم الارتكان للدعم الخارجي لنيل الحقوق، ويطالبهم بالخروج في تظاهرات حتى الوصول لمقر الحكم الذي يُشير إليه في الأغنية «بالقصر». 

2- من الذي قتل «فنان الثورة»؟ السلطة تتهم المتضررين من سد النهضة

تُنكر السلطات الإثيوبية تورط أحد أفرادها في عملية اغتيال الفنان الشاب، وتقول إنها اعتقلت شخصين على صلة بعملية القتل دون الكشف عن هويتهم؛ غير أن الكثيرين من أبناء قومية الأورومو يتهمون السلطات الحالية بتدبير اغتيال الفنان، ويربطون بين ظهور المغني على إحدى شاشات التلفزيون المعارضة، قبل يومين من مقتله، وتوجيه انتقادات واسعة لسياسات الائتلاف الحاكم برئاسة آبي أحمد وعملية اغتياله برصاص حي. 

من بين هؤلاء محمد العرنوسي الناشط الإثيوبي من قومية الأورومو، الذي يقول في تصريحات لـ«ساسة بوست»، أن الشكوك حول تورط قوات الأمن الإثيوبي في هذا الهجوم كبيرة، في ظل وقائع اغتيال سابقة طالبت معارضين للائتلاف الحاكم، ويؤكد أن الشكوك تتجه إلى أن منفذ عملية الاغتيال مجموعة داخل قوات الأمن عصية على السيطرة من جانب آبي أحمد، رئيس الوزراء الذي عجز عن وقف انتهاكات قوات الأمن بحقنا أو بحق أقلية الجيدو الإثنية.

ويقول العرنوسي أن التصور الرائج الذي يحاول الأفراد التابعون للائتلاف الحاكم ترويجه عبر وسائل الإعلام التابعة لهم هو أن الناشط المعارض الإثيوبي جوهر محمد، هو من نفذ محاولة الاغتيال من خلال مجموعات مسلحة تابعة له بالتنسيق مع سلطات أجنبية مثل مصر لتعطيل بناء سد النهضة الإثيوبي. روج لهذا التفسير أيضًا مسؤول أمني إثيوبي اتهم مصر بالضلوع في الاضطرابات التي شهدتها بلاده على مدى يومين، في حين أكد رئيس الوزراء آبي أحمد أن الهدف من الجريمة منع إكمال بناء سد النهضة.

3- من يقود حركة الاحتجاج الحالية؟

جوهر محمد هو ناشط سياسي بارز، ينتمي هو الآخر لقومية الأورومو. وتحول في الخمس سنوات الأخيرة لأيقونة للنضال ضد الائتلاف الحاكم بالنسبة للأوروميين؛ بعدما نشط خارجيًا مُدافعًا عنهم في الكونغرس الأمريكي والبرلمانات الأوروبية، وأسس شبكة إعلام معارضة تبث من داخل إثيوبيا، ومنظمات سياسية شبابية، حتى تخطت شعبيته آبي أحمد بالنسبة لأفراد قوميته، وبات قادرًا على حشد الآلاف في التظاهرات، خصوصًا بعدما تحول جوهر من مساند لآبي أحمد في بداية فترة حُكمه إلى معارضٍ وناقد لسياسته. 

درس جوهر محمد العلوم السياسية في كُبرى الجامعات الأمريكية، بعدما فر من بلاده خوفًا من بطش السلطات الحاكمة، على خلفية نشاطه السياسي المناهض لأنظمة الحكم السابقة على آبي أحمد، واختار واشنطن منفى له، قبل أن يعود لبلاده عقب لقائه بآبي أحمد في أمريكا، ومنح الأخير له ضمانات بعدم التعرض له.

أمام نشاط جوهر السياسي عقب عودته، وارتفاع شعبيته، أصبح مهددًا لنفوذ الائتلاف الحاكم خصوصًا مع إعلانه الترشح رسميًا منافسًا لآبي أحمد في الانتخابات المُقبلة؛ لتحاول السلطات اعتقاله في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، قبل أن تخرج الآلاف مدافعة عنه، لتتراجع السلطات لاحقًا عن هذه الخطوة. في التظاهرات التي تجددت الأيام الماضية، كان جوهر هدفًا للسلطات بعدما نشطت شبكة الإعلام المعارضة له في حشد آلاف المتظاهرين، ودعا الجموع للتظاهر؛ لتعتقله السلطات، وتهاجم مقر الشبكة وتعتقل كافة الصحافيين العاملين فيها.

فيما بررت السلطات الأمنية اعتقال جوهر باكتشاف قوات الأمن ثماني بنادق كلاشنكوف وستة مسدسات وتسعة أجهزة إرسال لاسلكية من سيارته خلال عملية نقل جثمان هاشالو إلى مسقط رأسه في مدينة «أمبو»، الواقعة إلى الغرب من العاصمة أديس أبابا.

4- بالقمع أم الحوار.. كيف واجهت السلطات الإثيوبية الاحتجاجات؟

استخدمت قوات الأمن العنف لتفريق جموع المتظاهرين، ليقع نحو 81 قتيلاً في أداما، الواقعة على بعد 90 كيلومترًا جنوب شرق أديس أبابا، الحاضنة للتظاهرات، كما اعتقلت نحو 35 سياسيًا بارزًا، وحددت الإقامة الجبرية لعدد من زعماء الأورومو السياسيين، أبرزهم داود أبسا قائد جبهة تحرير أوروميا، وميريرا جودينا رئيس حزب «مؤتمر الأورومو الاتحادي» المعارض. وإمعانًا في السيطرة على الأوضاع، قطعت السلطات شبكة الإنترنت عن مناطق في البلاد مع انتشار الاحتجاجات على مقتله في أوروميا. 

5- لماذا يعارض الأورومو آبي أحمد المنتمي لنفس قوميتهم؟

في عام 2018، سقط حُكم رئيس الوزراء السابق هايلي مريام ديسالين، الذي أعلن استقالته بعد اندلاع احتجاجات واسعة ضد سياسته، ليصعد الشاب المولود لعائلة فقيرة، في منطقة جارو بمدينة جيما في إقليم أورومويا بجنوب غربي البلاد، والمُقاتل في «الجبهة الديمقراطية لشعب الأورومو»، لمنصب الحاكم الجديد، عبر تزكيته دون انتخابات. 

نال آبي أحمد تأييدًا واسعًا من جانب الأورومو، آملين في إنهائه عقودًا طويلة من التهميش والاستبداد، غير أن هذا التأييد انقلب ضده سريعًا، بعد سلسلة قرارات كان أبرزها التضييق على جوهر محمد، والتلميح في خطاب سابق له إلى أهمية حظر نشاطه السياسي، والتي أعقبها قرار اعتقال في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، قبل أن يتراجع عنه لاحقًا. 

كما استمرت قوات الأمن والجيش الأثيوبي من العام الأخير في ارتكاب انتهاكات واسعة النطاق منها القتل الجماعي خارج إطار القانون، والاعتقال الجماعي التعسفي، والإخفاء القسري، فضلاً عن اعتقال صحفيين وناشطين في مجال حقوق الإنسان، كما ذكرت منظمة العفو الدولية.

يقول الناشط الإثيوبي محمد العرنوسي لـ«ساسة بوست»، أن مسألة ولاء آبي أحمد للأورومو كانت محل تشكك كبير، للمُلم بطبيعة صلاته بالتحالف الحاكم، فهو داخل هذا الائتلاف منذ عام 1991، حين التحق بالجيش الإثيوبي، ثم الترقي لاحقًا في وحدة المخابرات والاتصالات العسكرية، والتي تدرج بها حتى وصل لرتبة عقيد عام 2007، مؤكدًا أن آبي لن يخالف سياسات هذا التحالف الذي هو أحد دعائمه الأساسية، ويُسيطر على الائتلاف الحاكم حزب واحد، أعضاؤه من إقليم تيجراي الشمالي، وهو ما يثير غضب الأورومو المقيمين بعيدًا باتجاه الجنوب ويُعزز حديث العرنوسي مهام آبي أحمد النافذة خلال عمله في وحدة المخابرات والاتصالات العسكرية، إذ أسس إدارة أمنية جديدة باسم «شبكة المعلومات الإثيوبية» والمُشاركة في الحرب الإثيوبية الإريترية.

6- لماذا تستخدم السلطة العنف في مواجهة المتظاهرين؟

يُجيب عن هذا السؤال عبدالمؤمن عبدالمعين، المنتمي لقومية الأورومو، في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» من وجهة نظره، ويربط بين نزول قوات الجيش، واستخدام العنف ورغبة الائتلاف الحاكم في التحجج بهذه الأوضاع المضطربة في إضفاء شرعية على قرار البرلمان تأجيل الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة خلال شهر أغسطس (آب) للأوضاع المضطربة الحالية، خصوصًا في ظل ارتفاع حظوظ جوهر محمد، الذي أعلن ترشحه رسميًا في هذه الانتخابات الرئاسية.

ويُضيف عبدالمعين، الذي عمل صحفيًا في وقت سابق بشبكة أوروميا الإعلامية، أن جوهر محمد يحظى بدعم شعبي واسع، فضلاً عن اتصالات خارجية مع حكومات غربية، والأهم أنه لم يكن عنصرًا داخل الائتلاف الحاكم على خلاف آبي أحمد؛ لذلك يعتبره الكثيرون المرشح الأكثر جدارة بالفوز.

وكان البرلمان الإثيوبي قد وافق في يونيو (حزيران) الماضي على تمديد بقاء رئيس الوزراء آبي أحمد في السلطة لمدة عام إضافي، عقب تأجيل إجراء الانتخابات التي كان مُحدد لها موعد في أغسطس (آب)، وهو القرار الذي أثار احتجاجًا واسعًا في البلاد وخاصة بين عرق الأورومو.

7- هل يتأثر ملء سد النهضة بالاحتجاجات والاضطرابات الحالية؟

تحول بناء سد النهضة بالنسبة للإثيوبيين لقضية إجماع وطني بين القوميات المتنازعة؛ إذ يتفق الجميع على أن عملية استكمال البناء وملء الخزان أمر ينبغي أن يكون خارج أي نزاع سياسي داخل البلاد. يظهر هذا في رأي مُمثل الأورومو وأيقونة معارضتهم جوهر محمد، الذي أعاد نشر مقالة عبر حسابه على موقع «الفيس بوك»، قبل مقتل الفنان الشاب، يُشير مضمونها إلى أن بلاده ينبغي أن تتشدد في مسألة ملء السد وعدم التجاوب مع المطلب المصري بالنص على اللجوء للتحكيم للدولي في هذه القضية، وتذكر المقالة أن هناك أسبابًا كافية لرفض مسألة التحكيم الدولي باعتبارها وسيلة لتسوية المنازعات، وهو ما تحاول مصر دفع الأمور لإلزام الجانب الإثيوبي به.

ويقول، نقلاً عن المقال، أن التوقيع على إدراج التحكيم الدولي ضمن بنود الاتفاقية كما تطالب مصر، كآلية محتملة لتسوية المنازعات مستقبليًا، سيكون مرهقًا جدًا لإثيوبيا، ويُشير إلى أن بلاده لديها من الحجج والأسانيد لمقاومة هذا الاختيار، مبررًا ذلك الأمر «بأن هذا ليس بسوء نية ولا علامة على رغبة في عدم الالتزام بالالتزامات التي سيتم تكريسها في صفقة سد النهضة المحتملة. إنها طريقة للحفاظ على السيادة من خلال تجنب وضع يحتمل أن يكون خاسرًا بشأن قضية حساسة سياسيًا مثل النيل».

ويوضح عبدالمعين، الصحافي السابق بشبكة أوروميا، أن تأزم الوضع الداخلي مع الاضطرابات الحالية في ظل الهجوم الواسع ضد آبي أحمد ربما يكون دافعًا للأخير للتمسك بوجهة النظر الأحادية، والمضي قدمًا في عملية ملء السد، وسيلة لكسب حضور وتأثير شعبي، كما فعل ذلك في مرات سابقة، موضحًا أن الدليل على ذلك هو محاولة هروب آبي أحمد من مواجهة المشاكل الموجودة في البلاد بالحديث الذي قاله في الخطاب الأخير عن أن الاضطرابات الحالية سببها المؤامرات الخارجية للحيلولة دون بناء السد.