«الحنة ياحنة يا قطر الندى، يا شباك حبيبي يا عيني جلاب الهوى».

لم يكن يدور أبدًا في خلد خمارويه بن أحمد بن طولون، حاكم الدولة المصرية، أنه وفي زحام التاريخ سينساه الناس، وستبقى قصة ابنته الأميرة قطر الندى أكثر من ألف عام يدندنها الناس جزءًا أصيلًا من الفلكلور الشعبي، وذلك قبل أن تغنيها لنا المطربة المصرية شادية من ألحان بليغ حمدي.

ففي سالف العصر والأوان، وفي موكب مهيب لم يشهد له التاريخ مثيلًا، ولم تعرف مثل عجائبه عروس؛ زُفَّت الأميرة قطر الندى من مصر إلى بغداد، زوجةً للخليفة العباسي المعتضد بالله، وذلك بعد أن جهزها والدها خمارويه بجهاز يليق بعظمة الدولة الطولونية المصرية.

دعونا نحكي لكم من البداية قصة الزواج الأسطوري للأميرة قطر الندى، الذي أفلس جهازها خزينة الدولة المصرية، وزعزع أركان الدولة الطولونية.

ما قبل الحكاية.. الدولة الطولونية في مصر 

يقسم المؤرخون عصر الدولة العباسية إلى فترتين أساسيتين؛ الأولى يُطلق عليها اسم «العصر العباسي الأول» أو «العصر الذهبي»، ويمتد منذ قيام الدولة العباسية عام 749 ميلادية وحتى عام 847، ومن أشهر حكام هذا العصر هارون الرشيد، وأبو جعفر المنصور، والخليفة المأمون.

مئذنة جامع أحمد بن طولون في القاهرة – مصدر الصورة: الموقع نيوز

أما الفترة الثانية فقد امتدت لأكثر من أربعة قرون، بداية من عام 847، وحتى سقوط مدينة بغداد على أيدي المغول خلال عام 1258 ميلادية، وبالنسبة لهذه الفترة فالمؤرخون يقسمونها إلى أربع حقب أساسية؛ تبدأ بحقبة نفوذ الأتراك، الذي امتد لأكثر من قرن من الزمان، ثم حقبة البويهيين، فالسلاجقة، ثم حقبة ما بعد السلاجقة، التي امتدت حتى سقوط الخلافة العباسية.

وشهدت الحقبة الأولى من العصر العباسي الثاني، أو ما يُطلق عليه عصر نفوذ الأتراك، ظهور بعض الدول المستقلة؛ فحين ضعفت قبضة الخلافة انفلتت الأمور من بين أيديهم لصالح الأتراك، الذين كانت تستعين بهم دولة الخلافة في بغداد من أجل جمع الخراج وقيادة الجيوش، وهنا ظهرت شخصيات كبيرة قررت الاستئثار بالحكم وإنشاء دول مستقلة – وإن كانت ترتبط بالخلافة – لكن النفوذ الفعلي في تلك الدول المستقلة كان لحاكمها التركي وليس للخليفة العباسي، ومن أبرز الدول التي ظهرت في هذا العهد الدولة الطولونية في مصر (868- 905م) لمؤسسها أحمد بن طولون.

والحقيقة أن الحظ كان حليفًا جيدًا لابن طولون، فبعد أن استقرت أمور دولته في مصر كثرت اعتداءات الدولة البيزنطية على أراضي الدولة العباسية، إلى جانب ثورة الزنج في البصرة، وهو الأمر الذي استغله ابن طولون جيدًا لضم الشام والحجاز إلى حدود دولته، وذلك بموافقة الخليفة العباسي المعتمد على الله، الذي كان ضعيف الشخصية، وكانت مقاليد الأمور في بغداد بيد أخيه الموفق.

وفاة أحمد بن طولون وبداية الصراع الطولوني العباسي

بعد وفاة أحمد بن طولون عام 883 ميلاديًّا، ومن بعده الخليفة العباسي المعتمد على الله عام 892، وتولي أخيه أبي العباس أحمد بن الموفق، والذي لُقب بالمعتضد بالله؛ بدأت مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة الطولونية والخلافة العباسية؛ فخلال هذه الفترة التاريخية قرر المعتضد بالله استعادة قوة الدولة العباسية وهيبتها، وذلك من خلال مناهضة القادة الأتراك، واستعادة الأقاليم الإسلامية، التي كانت تحت أيديهم.

بعد سياسة المعتضد بالله الجديدة، لم يكن غريبًا دخول خمارويه الذي تولى الحكم بعد وفاة والده أحمد بن طولون، في معارك كثيرة مع الدولة العباسية، انتهى بعضها بالنصر والآخر بالهزيمة، حتى قرر خمارويه أن يقيم علاقات طيبة مع الخليفة العباسي، فأرسل له الهدايا والتحف النادرة، وأعلن رغبته في إفشاء السلم، وتأكيدًا لحسن نواياه عرض على الخليفة أن يتزوج ابنه أبو محمد علي المكتفي بالله، من ابنته الجميلة أسماء الشهيرة، باسم «قطر الندى»، ومن جانبه وافق الخليفة على طلب المصاهرة، لكنه خطب الأميرة قطر الندى لنفسه.

قطر الندى.. الأميرة التي تسبب والدها في تعاستها حفاظًا على دولته

كانت قطر الندى أحب أطفال خمارويه إليه، وأدناهم منه منزلة، ومنذ طفولتها كان لها جمال أخاذ وقوة آسرة، يقول عنها شمس الدين الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء» إنها وفي عمر السابعة كانت لها من قوة الإدراك أن تحسن الاستماع، وتحسن الحديث، وتستطيع الفصل في بعض ما يُعرض لها من الأمر.

كانت قطر الندى مولعة بسرد الحكايات؛ وفور عودة والدها إلى القصر كانت تهرع إليه لتحكي له القصص، وكان والدها يستمع إلى حديثها مأخوذًا به، كبرت قطر الندى في قصر والدها برفقة مربيتها آسيا، التي كانت تعتني بها وتشرف على عملية تعليمها، وتستمع إلى قصة الحب التي جمعت بين قلب قطر الندى وخطيبها أبي عبد الله بن سعد، قائد جيوش مصر.

لكن الأميرة استيقظت ذات صباح، وهي ابنة 14 ربيعًا، على قرار والدها بفسخ خطبتها من ابن سعد، وتجهيزها للزواج من الخليفة العباسي المعتضد بالله، وعلى الفور عُلِّقت الزينة وأُقيمت الأفراح والليالي الملاح طوال 40 يومًا، في جميع أرجاء الفسطاط؛ احتفالًا بالمصاهرة مع الخليفة العباسي، دون أدنى اعتبار لدموع قطر الندى وانفطار قلبها، الذي لم يشعر به إلا مربيتها آسيا.

التجهيز للزفاف الأسطوري 

كان خمارويه يريد أن يعبر جهاز ابنته عن حجم ثروة مصر، وعظم مكانتها، ورفعة شأنها، ومنافستها لعاصمة الخلافة العباسية؛ ولذلك كلف أحد تجار مدينة بغداد، ويُدعى ابن الجصاص، بإعداد جهاز الأميرة قطر الندى وأمره بأن ينفق على هذا الجهاز بكل سخاء، وألا يهتم بمسألة الأموال على الإطلاق. وبالفعل كان جهاز قطر الندى مضربًا للأمثال وأعجوبة كبيرة من أعاجيب الزمان، إذ وصفه المؤرخون بكل دهشة في مؤلفاتهم وأعجبوا بنفائسه ومحتوياته.

وقد ذكر ابن تغري بردي في كتابه «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» بعض تفاصيل جهاز قطر الندى فقال: «وكان من جملة جهازها أربع قطع من ذهب عليها قبة من ذهب مُشبَّك، في كل عين من التشبيك قرط معلق فيه حبة من جوهر لا يعرف لها قيمة، 100 هاون من الذهب» وكان معها من القماش والأواني ما لا يُحصر، منهم 20 صينية من الذهب الخالص، و20 صينية فضية، وألف سروال حرير. وقد نُقل هذا الجهاز من مصر إلى بغداد في ستة أشهر، وقد وصف تقي الدين المقريزي جهاز قطر الندى بقوله: «جهاز ضاهى به نعم الخلافة، فلم يبق خطيرة ولا طرفة من كل لون وجنس إلا حمله معها».

ولما فرغ خمارويه من جهاز ابنته، أمر أن يُجعل لها في الطريق بين القاهرة وبغداد في كل منزلة من منازل السفر قصر كامل كي تستريح فيه، وأن يكون في هذه القصور ما كانت تستخدمه على حسب عاداتها في بيت أبيها، وذلك حتى لا تستوحش ابنته الرحلة الطويلة التي استغرقت عامًا كاملًا، وقد بُنيت قصور الأميرة قطر الندى في سيناء، والأردن، والعراق.

النهاية التعيسة للزفاف السعيد 

لكن على الرغم من كل مظاهر الترف التي أحاطت بزفاف قطر الندى، فإن الأحداث آلت في نهاية الأمر إلى مصير قاس ومؤلم لكل من خمارويه وأميرته الصغيرة؛ فبالنسبة لخمارويه، فقد أدرك بعد شهور قليلة من انعقاد الزفاف الأسطوري أن خزينة الدولة المصرية قد أفلست، وأصبحت عاجزة عن تلبية طلبات قادة الجيش في دمشق، وقال ابن تغري بردي في كتابه «النجوم الزاهرة» إن الخليفة المعتضد تعمد استنزاف أكبر قدر من ثروة مصر؛ حتى تسهل السيطرة على الدولة الطولونية.

أما الأميرة الصغيرة، فقد تعرضت للكثير من المكائد من قبل زوجات الخليفة المعتضد الأخريات، وخاصة زوجته القريبة لقلبه السيدة شغب، وعليه فقد انزوت قطر الندى في ركن ركين بقصر الخلافة بعيدًا عن شئون الحكم والسياسية، وعاشت في تعاسة بالغة حتى ماتت بعد خمس سنوات فقط من دخولها قصر الخلافة العباسية، وكانت حينها تبلغ 19 عامًا.

تقول الدكتورة أمل محيي الدين الكردي، عضو اتحاد الكتاب الأردنيين، في كتابها «دور النساء في الخلافة العباسية»: «إنه وعلى الرغم مما اشتهرت به قطر الندى من الجمال والأخلاق والعلم والآداب، إلا أنها لم تترك أي أثر يُذكر في التاريخ العباسي؛ إذ لم تستطع أن تؤثر بعلمها وآدابها، ولم تتمكن أيضًا من امتلاك قلب المعتضد بالله»، وتضيف الكردي أن ذلك «ربما حدث لأن هذا الزواج كان سياسيًّا ولم يكن طبيعيًّا».

يمكن القول إن «الحنة يا حنة يا قطر الندى»، هو كل ما تبقى في الثقافة الشعبية من زواج قطر الندى؛ إذ يقول صلاح عيسى في كتابه «هوامش المقريزي: صفحات من مصر» إن هذه الأغنية مليئة بالشجن، فلا ندري أهي فرح أم حزن، أهي زغرودة زفاف أم ترنيمة عزاء؟