تاريخ

19:00 25 يناير, 2020

المرأة راعية للعلم ومُعلمة.. تاريخ التعليم في مصر الإسلامية

في إطار احتفالية اليوم العالمي لمحو الأمية، والتي خصص لها المؤتمر العام لليونسكو اليوم الثامن من شهر سبتمبر (أيلول) للاحتفال؛ أصدر الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر عام 2019، بيانًا قدّر نسبة الأمية في مصر بما يقارب 30% من المواطنين المصريين.

تخصيص يوم للاحتفال بمحو الأمية كانت خطوة مُهمة أُعلنت عام 1965، بعد أن اعتُبرت الأمية مسألة تتعلق بالكرامة الإنسانية واحترام حقوق الإنسان. وعلى الرغم من أن الأمية لا تزال متفشية ولا تزال مصر حتى الآن؛ إلا إن التعليم بدأ منذ قرون في مصر، وازدهر في مصر الإسلامية.

في هذا التقرير نأخذكم في رحلة تاريخية تحكي لكم وضع التعليم في تلك الحقبة الزمنية، وكيف ازدهر فيها.

المرأة طالبة ومعلمة

على عكس ما ذكر بعض المستشرقين عن المرأة المسلمة، وأنه لم يكن لها الحق في التعليم فيما مضى؛ فقد أكد التاريخ أن المرأة خلال تلك الفترة ومنهم المرأة المصرية، كان لها اهتمام واضح بتلقي العلم، واشتهرت أمهات المؤمنين ونساؤهم بحرصهن على حفظ وإتقان القرآن.

وخلال العصور التي تلت عصر النبوة ظلت المرأة تربط الدين بالعلم، فدون التعلم لن تكون قادرة على قراءة القرآن والصلاة وحفظ تعاليم الدين وتمريرها لأطفالها. وما ذكره التاريخ أكثر من مرة عن أحداث سياسية شاركت فيها نساء القصر الخلافي الفاطمي في مصر تؤكد اتساع أُفقهن العلمي. فقد شاركت المرأة فيما أطلق عليها «الدعوة السرية»، وكان يطلق على المؤيدات لمذهب حاكم جديد اسم «الموحدات».

تاريخ التعليم في مصر الإسلامية

لم تتعلم المرأة المصرية فقط أثناء الحكم الإسلامي لمصر، بل إن ذوات الاحتياجات الخاصة منهن كن يتلقين العلم بقدر ما تسمح لهن الظروف. وشاركت المرأة أيضًا في حضور المجالس الدينية بجامع الأزهر، في الأماكن المخصصة لهن، وأطلق على تلك المجالس اسم مجالس الدعوة أو مجلس الحكمة.

في قصور الحكم كان هناك مكان يدعى «المحول»، مخصص فيه للنساء يومان بالأسبوع، عقد فيها الكثير من المجالس التي اهتمت بالتربية والتعليم معًا، وحضرت نساء قصر الخلافة مجالس الشعر التي كانت تقام عادة بالقصر وكن يغدقن الأموال والهدايا على الشعراء. 

شاركت النساء في العصر المملوكي، بفاعلية في الحياة الثقافية واهتممن بالتعليم، واشتغلت بعضهن بالنحو ونظم الشعر مثل فاطمة ابنة القاضي كمال الديم محمود بن شرين، ونضار أم العز بنت أثير الدين. وبرعت النساء وتفوقن في العلم واشتغلن في الفقه والحديث مثل أم زينب فاطمة بنت عباس البغدادية، التي أطلق عليها البعض «سيدة نساء زمانها»، فقد كانت فقيهة وعلمت الكثير من النساء في مصر وبغداد. ويمكن القول بأن بروز مثل هؤلاء النسوة في مجالاتهن وتعليم أخريات، يعد أكبر دليل على إتاحة العلم للمرأة بوفرة في ذاك الوقت.

العلم لم يقتصر على المسلمين فقط في مصر الإسلامية

كان يعقوب بن يوسف بن كلس يهوديًا، سافر مع عائلته من بغداد إلى الشام ثم جاء إلى مصر، وكان يعرف عن ابن كلس الذكاء والنجابة واستطاع أن يصل إلى بلاط كافور الإخشيدي؛ الذي استشعر ذكاءه واحتواه في ديوانه الخاص واعتمد عليه في الكثير من شئونه، بينما كان بن كلس ينهل من العلم المتاح له. خاصة بعد أن تحول من اليهودية إلى الإسلام وأقبل على دراسة القرآن والحديث وتتلمذ على يد علماء الفقه والنحو وسائر العلوم الإسلامية.

فيما بعد خصص ابن كلس مكانًا بداره في مصر للعلماء والأدباء والذين كانوا يجتمعون عنده مرة من كل أسبوع ويعقدون المجالس والمناظرات العلمية في الفقه والأدب والشعر، ومن أشهر المشاركين في تلك الجلسات كان الحسين بن عبد الرحيم الزلاف، مصنف كتاب الأسجاع.

العلوم العقلية تُدرَّس في مصر الإسلامية 

كانت اللغة العربية في مصر الإسلامية هي لغة التدريس والمحادثة، وكان على من يعتنق الإسلام تعلمها حتى يتمكن من قراءة القرآن والصلاة؛ ما ساعد على انتشارها، ومع الوقت اختفت اللغة القبطية والتي كانت لغة أهل مصر قبل الفتح الإسلامي. 

ويمكن القول بأنه كلما اهتم التعليم بالعلوم اللسانية؛ ازدهرت، وعليه زاد انتشار اللغة العربية في مصر، وقد جاء الشعر الذي نُظم في مصر مشابهًا للشعر العربي ومصبوغًا بالصبغة الدينية في بدايته. وفي عصر الدولتين الطولونية والاخشيدية خرج المدح إلى النور على لسان الشعب المصري، وكان النثر وقتها أهم شأنًا من الشعر والفضل في ذلك يعود إلى الاهتمام بديوان الإنشاء في عهد أحمد بن طولون. وفي ظل هذا التطور كان الشعر والنثر وباقي الآداب من الدروس التي يتلقاها طلبة العلم في مصر الإسلامية.

ويمكن القول بأن هذا النشاط العلمي في مصر الإسلامية قبل بداية الدولة الفاطمية؛ كان تمهيدًا لنقلة كبرى وما استجد بعد ذلك من الاهتمام بالنشاط العلمي. وشهد القرن الرابع الهجري تطورًا شاملاً في نواحي النشاط العقلي، وتكون في هذا الوقت المناهج العلمية وانضمت إلى ما يدرسه المصريون في مصر الإسلامية.

وتطورت أيضًا نظم وأساليب التعليم، وبعد أن كانت العلوم النقلية هي البطل الأول على ساحة التعليم، جاءت العلوم العقلية لتجد لنفسها مكانًا جوار العلوم النقلية، ودخل التنوع إلى المؤسسات التعليمية بين تاريخ وكيمياء، وأدب واحياء.

«جامع عمرو بن العاص».. حيث حلقات العلم والتعليم

المساجد في مصر الإسلامية لم تكن مكانًا للعبادة فقط، فالتعليم كان له مكانة مهمة بين جدرانهم. مسجد عمرو بن العاص هو أول مسجد بني في مصر وأفريقيا وكان في مدينة الفسطاط التي أسسها المسلمون بعد دخولهم إلى مصر، وكان يطلق عليه أيضًا مسجد العتيق، وتاج الجوامع ومسجد الفتح.

كانت مساحة الجامع صغيرة في بدايته وظل كذلك حتى العام 52 هجريًا الموافق العام 672 ميلاديًا، ثم توالت التوسعات والإصلاحات به بعد هذا التاريخ، ومع الوقت اصبح هذا المسجد جامعة تعقد فيها مجالس العلوم والآداب، وعقدت تحت سقفه حلقات علمية أنتجت نهضة علمية وأدبية فريدة من نوعها.

جمع هذا الصرح علماء مختلفين باختلاف مذاهبهم، وكان لكل واحد منهم مجلسه الخاص به إلى جانب عمود من أعمدة المسجد حيث يلتف حوله طلابه. ومن أشهر مجالس العلماء في مسجد عمرو بن العاص؛ حلقة الإمام الشافعي وعرفت باسم زاوية الإمام الشافعي، ومجلس ابن عبد الحكم.

نال هذا الجامع عناية السلطات الحاكمة عبر تاريخ مصر الإسلامية ففي العصر الإخشيدي اهتم أمراء الإخشيديين به، وصارت حلقاته أشهر مجالس العلم والتعليم في زمنهم.

جامع الأزهر.. أول جامع يمنح الطلاب رواتب

جامع الأزهر من أهم الجوامع في مصر وأشهرها في العالم الإسلامي، ويعتبر جامعًا وجامعة منذ أكثر من ألف سنة، وأنشئ الجامع على يد جوهر الصقلي بعد تأسيسه لمدينة القاهرة، وكان الجامع في ذاك الوقت – 972 ميلاديًا- أول جامعة في العالم الإسلامي لدراسة المذهب السني والشريعة والقانون الإسلامي، فبعد الانتهاء من بناء المسجد، عُين به 35 عالمًا من قبل السلطات الفاطمية.

تاريخ التعليم في مصر الإسلامية

خلال الحكم الفاطمي أصبح الأزهر مركزًا للتعليم في العالم الإسلامي وتضمن الجامع دورات منفصلة للنساء، الأمر الذي يؤكد اهتمام الإسلام بتعليم المرأة منذ القرن العاشر الميلادي، في الوقت عانت فيه النساء في أوروبا من الاضطهاد والعنصرية والاتهام بالسحر والشعوذة والحرق أحيانًا أخرى.

من جانبه جعل يعقوب بن كلس والذي كان الوزير الأول للفاطميين في هذا الوقت؛ جامع الأزهر مركزًا تعليميًا رئيسيًا لدراسة القانون الإسلامي وتم توظيف 45 عالمًا لإعطاء الدروس. وفي عصر الدولة المملوكية شهد الأزهر عصره الذهبي من توسعات ومستويات متفاوتة من المساعدة المالية من قبل سلاطين المماليك ومن أهمهم السلطان بيبرس الذي اهتم بأجور المعلمين في الجامع، وأضاف رواتب لطلاب العلم أيضًا.

في القرن الرابع عشر الميلادي حقق الأزهر مكانة بارزة، باعتباره مركزًا لدراسات القانون واللاهوت واللغة العربية، وأصبح قبلة للطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي.

الاسكندرية في العصر الفاطمي.. المدرسة بيت الطالب

موقع مدينة الاسكندرية الجغرافي جعلها مركزًا لتجمع كثير من العلماء والدارسين والباحثين عن العلم في المشرق الإسلامي. وآثر بعض العلماء وطلاب العلم البقاء في الاسكندرية واتخاذها مكانًا للإقامة، وأدى هذا إلى ظهور ملامح علمية وتعليمية مختلفة عن نظام التعليم الذي تبنته الدولة الفاطمية.

كانت الإسكندرية أسبق مدن مصر معرفة للمدرسة باعتبارها مكان لتلقي العلم، وسكنًا أيضًا للطلبة والمدرسين؛ خُصص له مورد دائم للإنفاق منه على المدرسة والقائمين عليها وطلابها.

ومن أشهر المدارس التي كانت في هذا الوقت بالإسكندرية؛ مدرسة الطرطوشي، والاسم عائد على أبو بكر بن الوليد المعروف بأبي بكر الطرطوشي الفقيه المالكي، والذي تزوج بسيدة ثرية عندما جاء إلى الإسكندرية من الأندلس، وأهدته – زوجته- بيتها فجعل من الدور العلوي دارًاا له ومن الطابق الأسفل مدرسة.

رباطات وخوانق وزوايا.. المؤسسات الصوفية ومجالس العلم

اختلفت المؤسسات الصوفية عن المدارس ومجالس العلم، إذ كان ينقطع فيها المعلم مع مريديه عن كل شيء سوى العلم والعبادة والتصوف. وكانت تلك الأماكن يطلق عليها أسماء الرباطات أو الخوانق والزوايا، والرباطات كانت بعيدة عن العمران، ومورس فيها حياة كاملة بكل مظاهرها، بينما كانت الزوايا تلحق بالمساجد والأضرحة وأحيانًا تكون مستقلة.

من أشهر تلك المؤسسات الصوفية رباط الصاحب، والذي أنشأه الصاحب فخر الدين أبو عبد الله محمد بن الوزير، ورباط البغدادية وهذا الرباط بنته الست جليلة تذكارياى خاتون ابنة الملك الظاهر بيبرس بالعام 684 هجريًا، للشيخة الصالحة بنت زينب ابنة أبي بركات المعروفة ببنت البغدادية.

وعرف عن هذا الرباط أنه دبه شيخة تعلم النساء وتعلمهن الفقه دائمًا، وانتفع بهذا الرباط الكثير من نساء دمشق ومصر، ومرة أخرى نرى وجود المرأة جزء لا يتجزأ من نهضة العلم والتعليم في مصر الإسلامية، إذ شاركت في حلقات العلم ومجالس الفقه، بل وكانت تعلم النساء وتنير عقولهن وطريقهن في الحياة، في الوقت الذي عانت فيه المرأة في أوروبا من معاملتها باعتبارها ساحرة وموطنًا للمرض وأن جسدها مكان للشياطين أو الجنون.