زغاريط وتهليل وترحيب شديد، تلك الأجواء سادت البنك المركزي، أمس، كما ظهر في فيديو تداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي، يكشف عن ترحيب الموظفين بقرار التجديد لطارق عامر لمدة 4 سنوات جديدة كمحافظا للبنك المركزي، فما سر تلك السعادة؟، وماذا فعل "عامر" في مدتة السابقة؟. 

 

 

بدأ عامر ولايته الأولى كمحافظ للبنك المركزي في 27 نوفمبر عام 2015، وكان المقرر أن تنتهي هذه الأيام، إلا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي جدد له ولاية أخرى لمدة 4 أعوام تنتهي في 2023.

 

وينص قانون البنك المركزي على أن محافظ البنك يُعيّن من قبل رئيس الجمهورية لمدة 4 سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة.

 

تمتد خبرة طارق عامر، لأكثر من 37 عاما عمل خلالها في العديد من المؤسسات المحلية والعالمية في المجال المصرفي وإدارة أنشطة التمويل والاستثمار.

 

من هو "طارق عامر"؟

 

قبل الحديث عن الخبرات البنكية والمصرفية التي مر بها طارق عامر وصولا إلى منصبه كمحافظ للبنك المركزي، نذكر نبذة عن "عامر"، فهو من أسرة ترجع إلى تاريخ كبير في الحياة المصرية.

 

طارق حسن نور الدين عامر، هو نجل شقيق المشير عبد الحكيم عامر، أحد قادة ثورة 23 يوليو 1952، ووالده حسن عامر الرئيس الأسبق للهيئة العامة للبترول ونادي الزمالك.

 

حصل طارق عامر على بكالوريوس في علوم الاقتصاد والإدارة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1979.

 

وخلال الفترة من 2008 وحتى 2012 ارتبطت أنباء عن اقتراب عامر من رئاسة نادي الزمالك، إذ طالبه العديد من المشجعين وأعضاء النادي بالترشح للرئاسة، في ظل الأزمات التي كانت تلاحق النادي وقتها.

 

مسيرته المنهية 

 

برز اسم طارق عامر، في قائمة أهم المصرفيين المصريين، المشهود لهم بالكفاءة والجرأة في اتخاذ القرارات، وهو ما بدى واضحا في الفترة التي تولى خلالها رئاسة إدارة البنك الأهلي المصرى منذ 2008 وحتى 2014.

 

وباعتباره رجل مصرفي شارك طارق عامر في وضع خطة الإصلاح الأولى للجهاز المصرفي عام 2003، وساهم في تصحيح مسار البنوك المصرية وإنقاذها من شرك التعثر بعد فترة من الأزمات، إذ وضع  برنامجين للإصلاح أحدهما للبنك المركزي والآخر للقطاع المصرفي، بالتعاون مع البنك المركزي الأوروبي حتى أصبح البنك المركزي من أقوى البنوك المركزية.

 

تولى طارق عامر منصب العضو  المنتدب للبنك الأهلي المصري لندن، ورئيس مجلس إدارة والرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري فى عام 2008، ورئيس اتحاد البنوك المصرية.

 

ومنذ تعيينه بالبنك الأهلى شهدت العمليات المصرفية والمالية للبنك تغييرا شاملا، إذ تمكن من استعادة حصته السوقية في وقت قصير .

 

تولى عامر رئاسة البنك الأهلي المصري، في عام 2008، واستمر في هذا المنصب لمدة 5 سنوات، تقدم خلالها باستقالته عدة مرات  إثر تظاهرات من الموظفين بالبنك بسبب الأجور، واحتجاجا على ما اعتبروه تمييزا من "عامر" لفريق من القيادات العليا ضمها بنفسه إلى البنك لإصلاح أحواله.

 

وفي عام 2013، استقال طارق عامر من البنك الأهلي قبل انتهاء مدة ولايته بعامين، وبعد عدة أشهر عينه مجلس إدارة البنك الأهلي عضوًا منتدبًا لفرع البنك في لندن.

 

وقبل توليه منصبه في البنك الأهلي المصري، شغل عامر منصب نائب محافظ البنك المركزي، وشارك بدور رئيسي في وضع خطة الإصلاح الأولى للأوضاع النقدية وغدارة الأزمة التي عانى الجهاز المصرف حينها.

 

وتعين عامر للمرة الثانية نائبا لمحافظ البنك المركزي في نهاية عام 2007، إذ تضمنت مهامه إعادة هيكلة البنك المركزي المصري، والبنوك المملوكة للدولة والبنوك الخاصة وقيادة برنامج الخصخصة، مع تطبيق نظام جديد للسياسة النقدية.

 

وقد ساهم عامر في القضاء على السوق غير الرسمية للعملات الأجنبية في ذلك الوقت، وتخفيض معدل التضخم، ونمو الاحتياطيات الدولية.

 

وتقلد طارق عامر، العديد من المناصب المصرفية خلال مشواره المهنى داخل مصر وخارجها فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتركيا، والخليج وآسيا، ومن هذه المناصب نائب رئيس بنك مصر الدولي خلال عامي 2002 –2003، ونائب الرئيس ورئيس قطاع الاستثمار وتمويل الشركات في سيتي بنك لمنطقة الخليج ومصر منذ عام 1996 حتى عام 2002.

 

كما شغل منصب رئيس قطاع الاستثمار وتمويل الشركات في بنك آوف أمريكا في منطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج، بالإضافة منصب مدير إدارة المراسلين في أكثر 15 سوقا متنوعا.

 

"تعويم الجنيه" 

 

تولى طارق عامر مهتمه في البنك المركزي في نوفمبر 2015، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة على البلاد، تضمنت اتخاذ قرارات،  حتى وصفه خبراء مصرفيون بأنه "جراح الإصلاح الاقتصادي".

 

ومن اجرأ الخطوات التي اتخذها عامر تحرير سعر الصرف "تعويم الجنيه" في 3 نوفمبر 2016، ووضع أساسيات لرقمنة الاقتصاد المصري، ومد منظومة الشمول المالي، ورفع أسعار الفائدة، وإجراء عدة إصلاحات في القطاع المصرفي.

 

كان يهدف عامر من قراره بتحرير سعر الصرف القضاء على السوق السوداء للعملة الأجنبية في مصر، بما يشجع الاستثمار الأجنبي، وهو قرار أعقبه سلسلة من الارتفاع الكبير الذي شهدته معظم السلع والخدمات.

 

ساهمت قرارات عامر في تقييم أنشطة الاقتصاد المصري بسعر صرف موحد وواقعي، وهذا القرار ساهم في زيادة حصيلة التنازلات ونموها تدريجيًا، وزيادة حصيلة التدفقات الدولارية نحو 200 مليار دولار خلال الفترة الماضية، بحسب تصريحات سابقة لطارق عامر.

 

عكف عامر خلال ولايته الأولى على تحقيق برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، الذي بدأ تنفيذه منذ عام 2016، ويستمر حتى الآن، والذي شمل حزمة من السياسات النقدية التي عملت على بناء الاحتياطي من العملات الأجنبية، والحد من نسب التضخم. 

 

وقد ساهمت السياسة النقدية التي تم تنفيذها في عهد طارق عامر إلى ارتفاع الاحتياطي النقدي من 16.4 مليار دولار في نوفمبر 2015 إلى 45.2 مليار دولار في أكتوبر 2019. 

 

الخدمات المالية الرقمية 

 

ويتبنى البنك المركزي في ولاية "عامر" سياسة نشر الوعى وثقافة الشمول المالى، وذلك بإطلاق العديد من المبادرات للوصول إلى الفئات المستهدفة، وتقديم الخدمات المالية بتكلفة مناسبة وبطريقة عادلة.

ويرتكز على الاعتماد على التكنولوجيا من خلال تطوير البنية التحتية التكنولوجية اللازمة لدعم وتحفيز استخدام وسائل وقنوات الدفع الإلكترونية؛ بهدف التحول إلى اقتصاد أقل اعتمادا على النقد، وإنشاء مركز التكنولوجيا المالية، لتحفيز ودعم الابتكار فى مجال تقديم الخدمات المالية الرقمية.

 

واتخذ البنك المركزي المصري، بقيادة طارق عامر، خلال الفترة الماضية العديد من الإجراءات التي تؤدي للتحول لمجتمع لانقدى، عبر استخدام البطاقات الائتمانية.

 

مبادرات

وأطلق البنك المركزي تحت ولاية طارق عامر العديد من المبادرات التي تهدف إلى دفع النمو الاقتصادي للأمام، من أبرزها التمويل العقاري لمحدودي ومتوسطي الدخل، ومبادرة تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، ومبادرة دعم نشاط السياحة، وتفعيل السياسة النقدية لاستهداف التضخم سواء برفع سعر الفائدة.

 

وخلال ولاية عامر ضخ القطاع المصرفي 200 مليار جنيه في هذا القطاع، بعائد لا يزيد عن 5%، إلى جانب مبادرة لتعزيز الشمول المالى بهدف زيادة المتعاملين مع القطاع المصرفى من خلال فتح حسابات مصرفية بدون مصروفات، ومبادرة إسقاط فوائد القروض عن المتعثرين.

 

أعلى احتياطي نقدي أجنبي

 

وساهمت السياسة النقدية التي اتباعها طارق عامر، في ارتفاع الاحتياطي النقدي لمصر لأعلى معدل له منذ عام 2010، ليسجل بنهاية شهر أكتوبر الماضي 45.2 مليار دولار.

 

وبلغت ذروة معدلات التضخم خلال شهر يوليو 2017 مسجلا أعلى نسبة في تاريخ مصر، حيث سجل معدل التضخم السنوي الأساسي 35.2%.

 

ونجح البنك المركزي المصري، برئاسة طارق عامر، في تحقيق الالتزام الذي أعلن عنه في مايو 2017، وهو التحول التدريجي، إلي نظام استهداف التضخم، وتحديد معدل التضخم السنوي المستهدف في الربع الأخير من العام 2018 عند 13% 3%، ومعدلات أحادية بعد ذلك، وهو ما تحقق بالفعل بتسجيله 2.7% في نهاية شهر أكتوبر 2019.


قانون البنوك الجديد
 

قدم البنك المركزي بقيادة طارق عامر قانونا جديدا للبنك المركزي والجهاز المصرفي، وافق عليه مجلس الوزراء، تضمن استحدث إنشاء لجنة للاستقرار المالي للدولة برئاسة رئيس مجلس الوزراء، تهدف إلى الحفاظ على استقرار النظام المالي للدولة المصرية، وتنسيق الجهود لتجنب حدوث أي أزمات مالية وإدارتها في حال حدوثها، كما تضمن تعريف المدفوعات الالكترونية وكل ما يخص التعامل معها.

 

ونظم مشروع القانون الجديد، أوجه التعاون بين البنك المركزي المصري مع الجهات الأجنبية المناظرة، بهدف التنسيق وتبادل المعلومات تفعيلا لمبدأ الرقابة المشتركة، يشمل ذلك إبرام مذكرات التفاهم والمشاركة في المجموعات الرقابية أو مجموعات تسوية أوضاع البنوك المتعثرة والتأكيد على حماية سرية البيانات المتبادلة.

 

تصريحات مثيرة

 

لم تخلو مسيرة طارق عامر المهنية من بعض التصريحات التي أثارت حالة من الجدل، من بينها "الدولار هيكون بـ 4 جنيه".

 

ففي حوار مع الإعلامية لميس الحديدي في عام 2016 قال عامر :"البورصة المصرية يجب أن تكون من أقوى البورصات، وهذه قابلة للتحقيق، وهذا سيساهم في زيادة التدفقات والاستثمارات ويكون الدولار بـ 4 جنيهات ونرتاح من القصة دي".

 

وبعدما أثارت هذه التصريحات حالة من الجدل عاد عامر ليصف هذا التصريح، خلال لقاء مع الإعلامي أسامة كمال، بأنه "نكتة".

 

ومن أبرز التصريحات التي أثارت الجدل تصريحه حول رفع سعر الفائدة 3% عقب قرار التعويم، حين قال :"مراتي مبسوطة جدًا من القرار"، نتيجة لارتفاع سعر الفائدة على الودائع في البنوك بعد هذا القرار.

 

جوائز 

 

حصل عامر على عدد من الجوائز على مستوى العالم، نتيجة إنجازته التي حققها منذ توليه مسؤولية القطاع المصرفي.

 

ومن الجوائز التي حصل عليها عامر جائزة أفضل محافظ بنك مركزي لعام 2017 في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وجائزة المصرفي الأول في العالم العربي لعام 2018، من مؤسسة الأهرام.

 

وتم تكريمه  ضمن أفضل محافظي البنوك المركزية في 2019، من مجلة "جلوبال فاينانس" العالمية، وذلك على هامش الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد.

 

وحصل طارق عامر على جائزة المصرفي الإفريقي "African Banker Award" السنوية كأفضل محافظ للبنوك المركزية الإفريقية لعام ٢٠١٩.


وتمنح هذة الجائزة سنويا لمحافظي البنوك المركزية، ممن قاموا بإنجازات وإصلاحات هامة في السياسة النقدية والقطاع المصرفي في الدول الإفريقية.