لندن، 12 نوفمبر 2019 ــ أصدر الفريق القانوني الدولي الذي تلقى تعليمات من أسرة الرئيس السابق محمد مرسي، فضلاً عن المجلس الثوري المصري، وهو مجموعة مؤيدة للديمقراطية ومعارضة للدكتاتورية العسكرية وحملات نشطة لإنشاء دولة ديمقراطية ومدنية، البيان التالي في أعقاب تحقيق مفصل في الظروف المحيطة باعتقال الرئيس السابق ومحاكمته ثم وفاته في السجن.

· في السابع عشر من يونيو/حزيران 2019، توفي أول رئيس منتخب ديمقراطياً لمصر، الدكتور محمد مرسي في قفص، في إحدى محاكم القاهرة.

· وفاة الدكتور مرسي، برغم توقعها من قِبَل البعض نظراً لظروف السجن المروعة التي أرغِم على تحملها، لا تزال بمثابة صدمة لعائلته وأنصاره وأفراد المجتمع الدولي على حد سواء.

· لقد كانت ظروف احتجازه، التي ترتقي حسب أي تقييم موضوعي إلى تعريف التعذيب و/أو المعاملة القاسية واللإنسانية والمهينة، على أقل تقدير، عاملا مباشرا من عوامل وفاته.

· بناء على تعليمات من أسرة الدكتور مرسي، قام مكتب العدالة الدولية، غيرنيكا ٣٧، بتحليل معاملته أثناء احتجازه، بما في ذلك عملية المحاكمة التي خضع لها، وتصدر الآن استنتاجاتها وتوصياتها، بما في ذلك طلب تقدمت به إلى الأمم المتحدة بإنشاء آلية تحقيق مستقلة للتحقيق في وفاة الدكتور مرسي بشكل غير قانوني.

· · في 8 نوفمبر 2019 أصدر المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو الإعدام التعسفي بإجراءات موجزة، وفريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي بياناً يدعو إلى إجراء تحقيق مستقل ونزيه وفعّال في الوفاة غير القانونية للدكتور مرسي وكل السجناء الآخرين الذين توفوا أثناء الاحتجاز منذ عام 2012.

ففي عام 2011، خرج المواطنون المصريون إلى الشوارع احتجاجاً على حكم حسني مبارك، ومطالبين بالتغيير والحرية والديمقراطية؛ ولم يعد بوسعهم أن يعيشوا في ظل حكم استبدادي.

هكذا كان حجم الاحتجاجات، وتحولت المظاهرات إلى ثورة واستقال مبارك.

لقد كانت روح التغيير معدية، وانتشرت في جميع أنحاء الدولة. وكان المواطنون يتطلعون إلى التغيير الحقيقي، وإلى الإصلاح الجذري والفرعي، وإلى الإصلاح الذي ترمز إليه المطالب التي قدمت في ميدان التحرير.

وعلى مدى فترة قصيرة جدا، بدا وأن الثورة قد حققت هدفها.

ففي مايو/أيار 2012، عقدت مصر أول انتخابات حرة وشاملة بحق، وبالتالي ديمقراطية، مع إعلان فوز الرئيس محمد مرسي.


وكانت مصر على وشك أن تدخل عصراً جديداً.

إلا أنها لم تستمر سوى ١٢ شهرا آخر.

وفي يوليو/تموز 2013، تم إبعاد الرئيس مرسي بالقوة عن منصبه عن طريق انقلاب عسكري بقيادة رئيس الجيش المصري الجنرال (آنذاك) عبد الفتاح السيسي.

وتم اعتقال مرسي واحتجازه على الفور فيما يتعلق بعدد من الادعاءات الجنائية، في حين تولى السيسي الرئاسة.
وخلال السنوات الست التالية، خضع مرسي لعملية محكمة وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها "تمثيلية تستند إلى إجراءات باطلة ولاغية". ومن الواضح تماما أن النظام العسكري السيسي اختطف المحاكم، فحرمها من استقلالها، والتحايل على سيادة القانون وفرض حكم الفرد على أساس الخوف والقمع. لقد دخلت مصر عصراً مظلماً جديداً.

يوضح تقرير غيرنيكا ٣٧، الذي يستند إلى تقارير سابقة تم نشرها في الأعوام 2016 و2017 و2018، بوضوح أن عملية المحاكمة كانت مليئة بانتهاكات معايير المحاكمة العادلة الأساسية، بما في ذلك رفض السماح للرئيس السابق بالوصول المناسب إلى فريقه القانوني ورفض الكشف عن الأدلة التي سعى الادعاء إلى الاعتماد عليها. كما أن قدرته على التحدث دفاعاً عن نفسه قد تقلصت إلى حد كبير بسبب أنه كان محتجزاً في قفص في المحكمة من الصعب أن يرى عبره بالإضافة إلى أن الميكروفونات في ذلك القفص يسيطر عليها القاضي وبإمكانه إغلاقها في لحظة.

لقد كان عدم الشفافية هذا سمة استمرت على مدى فترتي الاعتقال والمحاكمة.

ويبين التقرير الذي صدر هذا الأسبوع أن الرئيس السابق لم يسمح له بحقوق الزيارة إلا في حالات نادرة للغاية.

وقالت أسرته أنه لم يسمح لها برؤيته إلا في بضع مناسبات، وكذلك الأمر بالنسبة لفريقه القانوني. وعندما مُنح الإذن له برؤية محاميه الموكل، كان ذلك دائماً في حضور حراس السجن، وبالتالي لم يكن هناك أي سرية، مما أدى إلى أن يكون الإعداد لمحاكمته (محاكماته) أمراً مستحيلاً.

وإذا لم يكن هذا سيئاً بالقدر الكافي، فمن الواضح أن معاملته كانت أسوأ كثيرا.

ولم يكن الرئيس السابق يتمتع بصحة جيدة عندما احتجز، وكان يعاني من عدد من المشكلات الطبية الموثقة التي تتطلب علاجاً منتظماً وتقييماً، بما في ذلك مرض السكري.

ولم يكن هناك رفض للسماح له بالحصول على العلاج لهذه المشكلات فحسب، بل كان هناك إهمال و/أو نوايا السجن وبالتالي نية الحكومة. ولذلك تطورت لدى الرئيس السابق مشكلات صحية جديدة ألحقت به مزيدا من الوهن، بما في ذلك فقدان الرؤية في عينه اليسرى كنتيجة مباشرة لمنعه من تلقي العلاج لمرض السكري، حالات إغماء متكررة بسبب السكري، آلام العظام والعضلات بما في ذلك إصابة بالغة ومستمرة في الظهر والعمود الفقري نتيجة لإجباره على النوم على أرضية اسمنتية، وتدهور متزايد بالغ لوظائف الكلى والكبد نتيجة سوء التغذية بما أن الطعام القليل الذي قدم له كان فاسدا.

وبحسب ما وجدت غيرنيكا ٣٧، فإنه من الواضح حسب أي تقييم موضوعي بأن الرئيس السابق قد تعرض لسوء معاملة منظم ومطول بلغت حدته مبلغا يجعلها ترتقي للتعذيب. كما أنه، بالإضافة إلى ذلك أجبر على التعرض لأمور مهينة وظروف اعتقال تقل بدرجة كبيرة عن المعايير الدولية والمحلية، إلى حد اعتبارها إجرامية.

وكما ذكر خبراء الأمم المتحدة في بيانهم المؤرخ 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2019:

"احتُجز الدكتور مرسي في الحبس الانفرادي لمدة 23 ساعة في اليوم ... لم يُسمح له برؤية سجناء آخرين ، حتى خلال الساعة الواحدة في اليوم عندما سمح له بممارسة الرياضة. واضطر إلى النوم على أرضية خرسانية مع بطانية واحدة أو بطاطين فقط لحمايته. ولم يسمح له بالوصول إلى الكتب أو المجلات أو مواد الكتابة أو الراديو. لقد تم حرمانه من الرعاية التي يحتاج للحياة والرعاية المستمرة لمرض السكري وارتفاع ضغط الدم. خسر تدريجيّا الرؤية في عينيه يسرى ، و تعرض لحالات إغماء بشكل متكرّر بسبب السكر. أدى ما ذكر أعلاه إلى تسوس الأسنان والتهابات اللثة بشكل كبير .... وتم تحذير السلطات مرارًا وتكرارًا من أن ظروف سجن الدكتور مرسي ستقوض صحته تدريجيًا إلى درجة قتله. ليس هناك دليل على أنهم تصرفوا لمعالجة هذه الشواغل، حتى وإن كانت النتائج متوقعة".

مساهمة هذه المعاملة في وفاته ليست مجرد إفتراض، بل هناك حجة مقنعة بأن المعاملة على يد الدولة المصرية هي التي قتلته، وأن هذه هي النتيجة هي النتيجة المقصودة.
ونتيجة لهذا الإجرام الواضح، يطلب غرنيكا ٣٧ من الأمم المتحدة الان، وعلى وجه التحديد مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان والمقررين الخاصين ذوي الصلة و فرق العمل، إنشاء آلية تحقيق مستقلة للنظر في وفاة الرئيس السابق، والقضايا الأوسع نطاقا، في غياب أي نية من الحكومة لإجراء أي تحقيق ذي معنى.

إن وفاة الرئيس السابق محمد مرسي مأساوية، ورغم أنه مجرد رجل واحد، فإنه رمز للموقف الذي تبنته حكومة مصر، وكيف أن النية في إسكات المعارضة بأي ثمن تخيم على كل العناصر، بما في ذلك السجون ونظام المحاكم.

وكان غرنيكا ٣٧ قد نشر في وقت سابق تقريرا عن انتهاكات المحاكمة العادلة في مصر وأبرز حقيقة ما الذي يواجه كل من يجرؤ على التعبير عن معارضته أو انتقاده للنظام العسكري السيسي، لكن هذا التقرير ليس كافيا. لا يمكن تجاهل الاستخدام المنهجي للاعتقال التعسفي والتعذيب أثناء الاحتجاز واستخدام المحاكم بطريقة لا يمكن وصفها إلا بأنها إنكار صارخ ومستمر للعدالة.

من أجل ذلك، يدعو غيرنيكا ٣٧ الأمم المتحدة إلى ألا تكتفي بالنظر في قضية مرسي، بل أن توسع نطاق أي صلاحيات لأي تحقيق في مصر؛ ولابد أن يشمل هذا كل الجوانب، وأن يسلط بالضوء على النظام في مصر، وهو النظام الذي وصفه توبي كادمان، أحد كاتبي التقرير، قائلا:

"لقد سعى النظام إلى تقليص المساحة المخصصة للديمقراطية إلى هذا الحد، حتى أن هذه الكلمة لا تحمل أي معنى في مصر اليوم؛ إن مصر دكتاتورية".

ببساطة، من غير الممكن أن يكون من المقبول بالنسبة لأي نظام أن يهرب من تركيز المجتمع الدولي والأمم المتحدة، وخاصة عندما يلاحظ كارل باكلي، ككاتب اخر للتقرير، ما يلي عن هذا النظام:

هو نظام يؤمن بأنه قادر على تجاهل إلتزاماته بموجب القانون المحلي والدولي لحقوق الإنسان، وأنه غير ملزم بهذه المعاهدات، وبالتالي فإنه لديهمطلق الحرية في التصرف بأي طريقة يختارها".

وقالت الدكتورة مها عزام، رئيسة المجلس الثوري:

"بصرف النظر عن الإيديولوجية السياسية أو العقيدة السياسية الفردية للمصريين، فإن الدكتور مرسي يمثل المرة الأولى التي يمارس فيها المصريون حقهم الديمقراطي في انتخاب رئيس من اختيارهم. ومن ثم فإن وفاته هي إهانة لجميع المواطنين المصريين، وهي جريمة ضد سيادتهم. ونحن نعتزم ملاحقة كل المسؤولين عن تعذيب وقتل الرئيس و المعارضين السياسيين في مصر بكل السبل القانونية وتقديمهم إلى العدالة".

وإذا تبين من التحقيق في وفاة الدكتور مرسي أنه قُتِل إما بالتعذيب أو بالسبل المباشرة، فإن المجلس ينوي توكيل غرنيكا ٣٧ بتحريك القضية على خلال السلطة القضائية الوطنية أو الدولية المناسبة. وبالمثل، إذا تبين من التحقيق الأوسع نطاقاً أن هناك أدلة دامغة على استخدام التعذيب مع سبق الإصرار كشكل من أشكال القتل خارج نطاق القضاء للمحتجزين، فإن المجلس سيسعى أيضاً إلى إحالة القضية إلى السلطة القضائية الوطنية أو الدولية المختصة.

وندعو مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة، والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالات الإعدام خارج القضاء أو الإعدام التعسفي بإجراءات موجزة، والفريق العامل التابع للأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي، وغيرهم من أصحاب الولايات الخاصة بالإجراءات الخاصة، إلى أن يؤسسوا على وجه السرعة الية لإجراء تحقيق مستقل ونزيه و فعال في وفاة الدكتور مرسي وجميع السجناء الآخرين الذين توفوا أثناء الاحتجاز منذ عام 2012.

وأخيرا، ندعو الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الذين وقعوا على اتفاقية مناهضة التعذيب (التي وقعت عليها مصر) إلى حث مصر، بكل الوسائل المناسبة، على الكف فورا عن ممارسة التعذيب والسماح بوصول المساعدات الطبية والإنسانية إلى جميع المعتقلين السياسيين في السجون المصرية.