"الحنة الحنة ياقطر الندى" ليست مجرد كلمات في أغنية، ولكنها تحكي قصة زواج أسطوري أفلس مصر، كما يقول المؤرخون، هو زواج "أسماء بن خماوريه بن أحمد بن طولون"،  المعروفة بـ"قطر الندى"، من الخليفة العباسي المعتضد بالله.

 

كان زواج "قطر الندى" بالخليفة العباسي المعتضد، تشبه الأساطير وحكايات "ألف وليلة"، استمر 90 ليلة وامتدت الأفراح من مدينة القطائع بمصر "عاصمة الطولونيين" إلى العاصمة العراقية "بغداد".

 

كان مهر "قطر الندى" مليون درهم من الفضة، وتكلف جهازها مليون دينار من الذهب قام علي إعداده أمهر الصناع، وجاءت أخشابه وأدواته من شتي البقاع.

 

ظل زواج أسماء بنت خماوريه حديث الناس لفترة طويلة، ووثقه المؤرخون الذين وصفوه بـ"العرس الأسطوري" الذي أفلس خزائن مصر، ولكن لماذا كل هذا الانفاق الفاحش في زفاف "قطر الندى" من الخليفة العباسي المعتضد بالله.

 

قبل المصاهرة بين "خماوريه" و"المعتضد بالله" كانت هناك حرب انتصر فيها "خماوريه" انتصار ساحق على " المعتضد"، سببها أن الأخير كان يريد الخروج بجيشه إلى الحرب إلا أن خزينة الدولة كانت فارغة، فأراد أن يبعث إلى والي مصر "خماوريه" ليزيد الخراج.

 

كانت خزينة مصر في عهد "خماوريه" مملوءة، ولهذا رأى المعتضد أن يخرج في جيش إلى "خماوريه" ليحاربه ويأخذ الخراج، ولكن علم "خماوريه" بما ينتويه القصر العباسي في بغداد، لاسيما بعد وفاة الخليفة الموفق والد المعتضد بالله.

 

قال خماوريه حين علم برغبة المعتضد في الحرب، حسبما روى المؤرخون:"رحم الله أباه الموفق كان أذكى منه، فلو طلب مننا زيادة الخراج لفعلنا، لكن بما أنه عزم على الحرب فلا خيار لنا سواها"، وفقا لما جاء في كتاب :"ابن تغري بردي - النجوم الزاهرة في ملوك مصر و القاهرة.

 

خرج خماوريه على رأس جيشه لمحاربة المعتضد، وانتصر عليه انتصار ساحق، وعلى الرغم من ذلك إلا أنه عامل "المعتضد" بما يليق بمكانة الخلفاء، ووعده بمضاعفة الخراج، بل وعرض عليه المصاهرة بأن يزوج ابنته الوحيدة "أسماء" من ابنه المكتفي بالله، ولكن "المعتضد" أرادها لنفسه. 


ويروي محمد عبد الله عنان، في كتابه "مصر الإسلامية وتاريخ الخطط العربية" أن الأميرة "أسماء" كانت في حينها أجمل نساء عصرها وأكثرهن ذكاء وحكمة، ولم تكن تجاوزت الـ14 عاما من عمرها حين عرض والدها "خماوريه" زوجها من "المعتضد".

 

دفع المعتضد في مهر "أسماء بنت خماوريه" مليون درهم، وهو رقم مبالغ فيه في ذلك العصر، أما جهازها فقد كلف خزينة مصر إفلاسها، إذ تجاوز الـ مليون دينار".

 

يقول المؤرخون إن جهاز "قطر الندى" كان عبارة عن دكة من أربع قطع من الذهب عليها قبة من الذهب، مشبوك فى كل عين من تشابيكها قرط معلق فيه حبة من الجواهر القيمة، ودكة أخرى من الذهب لتضع عليها قدمها كلما دخلت إلى حجرتها، وألف هاون من الذهب، وألف مبخرة من الذهب، ومئات الصناديق المحتوية على الملابس والأقراط والسلاسل الذهبية وفصوص الأحجار الكريمة.

 

وكان من بين ملابس "قطر الندى" ألف قطعة ثمن الواحدة منها عشرة دنانير، وكثير من الأثواب الحريرية، والمزركشة بخيوط الذهب تعد بالآلاف، وهو ما وصل بتقديرات تكلفة الجهاز إلى مليون دينار ذهب.

 

ليس هذا فحسب بل أنه بُنى لها على طريق السفر قصور لتستريح فيها، ومد "خماوريه" عساكره على طول الطريق، وودعها الشعب بالغناء والموسيقى،  فكان خروجها ونقل جهازها في منظر مهيب، بحسب ما ذكرت صفحة "المؤرخون المصريون" على فيس بوك.

 

ويذكر لنا النويري في كتابه :"نهاية الأرب في فنون الأدب" عن جهاز "قطر الندى"، "وسأل خمارويه المعتضد أن يزوج ابنته قطر الندى للمكتفي بالله ولي العهد، فقال المعتضد بل أنا أتزوجها و كان ذلك في سنة ثمانين بعد المائتين، وحملت إليه في سنة إحدى وثمانين ومائتين، و أصدقها ألف ألف درهم".

 

وما أن وصل موكب العروس "قطر الندى" إلى بغداد في مارس 895 ميلاديا وأول محرم 282 هجريا، حتى أنُيرت المدينة بالمشاعل والشموع فرحًا بقدوم العروس، وأقيمت الاحتفالات والمآدب في جميع بغداد حتى الصباح.

 

وقيل إن المعتضد بالله إنما قصد بزواجها إفقار الطولونية، وهو ما حدث، إذ أن خمارويه جهز ابنته بحهاز لم يسمع بمثله، حتى قيل إنه كان لها ألف هاون من ذهب، وشرط المعتضد على خمارويه أن يحمل في كل سنة مائتي ألف دينار، بعد القيام بجميع وظائف مصر وأرزاق الجند، فأجاب إلى ذلك".


ولم يكتف "خماوريه" بهذا الموكب الأسطوري والجهاز الذي لم تراه عين من قبل، بل أعطى ابنته مئة ألف دينار، لتشترى من بغداد ما قد تحتاج إليه، وأعطى "الجصاص" الذى عهد إليه بإعداد الجهاز جائزة قدرها أربعمائة ألف دينار.

 

أما الخليفة العباسي "المعتضد بالله" فقد فرح بـ"أسماء بنت خماوريه" فرحا شديد، إذ كانت أجمل نساء عصرها فضلا عن شدة أدبها وحيائها وصغر سنها.

 

وعاشت الأميرة قطر الندى في بغداد مع زوجها الخليفة العباسي، بضعة أعوام في ذل وعذاب،  ثم رحلت وهي ابنة الثانية والعشرين من عمرها،  فى 7 رجب عام 287 هـجريًّا، بعد خمسة أعوام من زواجها، ودُفنت داخل قصر الرصافة ببغداد.

 

أما خماوريه فكانت نهايته مأساوية، فقد لقى مصرعه في 26 ذي القعدة عام 175 هجريا، على يد حراسه أثناء نومه بقصره بالشام، وهو يستعد لإحدى المعارك، وحُمل جثمانه إلى مصر، ودُفن بالمقطم في نفس العام الذي تزوجت فيه ابنته "قطر الندى".


وبعد وفاة "قطر الندى" بعامين توفي زوجها الخليفة العباسي "المعتضد بالله" عام 902 هجريا.