"هل تشهد الساحة السياسية الفترة القادمة تغييرات في خريطة الأحزاب المصرية؟"، سؤل بات مطروحا بقوة هذه الأيام، لاسيما بعدما دعا الكاتب الصحفي ياسر رزق، رئيس مجلس إدارة مؤسسة «أخبار اليوم»، في مقال صحفي، إلى إجراء حوار بين الأحزاب خاصة الوفد ومستقبل وطن لتنفيذ مبادرة تستهدف دمج المتشابه منها في البرامج والأفكار والتوجه السياسي.

 

ورغم أن قضية "دمج الأحزاب السياسية" ليست جديدة، ولكن يبدو هذه المرة أنها ستؤخذ على سبيل الجدية في خطوات حقيقية وحوار مجتمعي على مستوى رؤساء الأحزاب ينتج عنه الدمج حتى لا يتبقى على الساحة حزبين أو 4 أحزاب على الأكثر، بحسب سياسيون. 

 

"البداية"..دعوة الرئيس

 

تعود بداية الدعوة إلى دمج الأحزاب إلى نوفمبر 2017 بدعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه مع ممثلي عدد من وسائل الإعلام الأجنبية والمصريةعلى هامش منتدى شباب العالم، حين قال :"الأحزاب كثيرة ويجب أن تدعوهم للدمج من أجل زيادة قدراتهم".

 

 

وفي مصر يوجد أكثر من 100 حزب سياسي، لذا دعا الرئيس إلى دمج هذه الأحزاب ليصبح هناك 10 أو 15 حزبا ليقووا وتقوى بهم الأحزاب السياسية.

 

وجدد الرئيس دعوته لدمج الأحزاب مرة ثانية في إبريل 2018، حين تحدث عن ضرورة التعاون بين رؤساء الأحزاب السياسية، وإجراء مفاوضات بينهم؛ حتى يحدث تقارب بين هذه الكيانات، سواء عن طريق «الدمج» أو التحالف السياسي حول القضايا المختلفة، والمعارك الانتخابية.

 

 

وفي كل العهود السابقة كان ضعف الأحزاب  السمة الأساسية التي يؤولها البعض إلى أنها ترجع لرغبة السلطة الحاكمة، بينما يحمل آخرون المسؤولية للأحزب ذاتها.

 

قبل ثورة 25 يناير 2011 كان الحزب الوطني الديمقراطي هو المهيمن على الحياة الحزبية والسياسية من بين نحو 25 حزبا، غير أنه انهار بعد الثورة ولم يبق منه سوى أسم محفوظ في تاريخ الأحزاب، أما الأحزاب الأخرى فتكاثر عددها حتى أصبحت ما يزيد على 104 حزبا.

 

خطوات لم تكتمل

 

لقت دعوة الرئيس زخم سياسي، وأقبل عليها قيادات الأحزاب السياسية بصدر رحب، حتى أنهم انطلقوا في إصدار التصريحات التي تؤكد استجابتهم لدعوة الرئيس، وأنهم بصدد تكوين تحالفات ودمج للأحزاب حتى تصبح 3 أحزاب كبرى، وأعلن ائتلاف دعم مصر وقتها سعيه للتحول إلى حزب سياسي. 

 

وفي مثل هذه الأيام من العام الماضي شهدت الأحزاب حركة تنقلات من أحزاب إلى أخرى أعادت ترتيب المشهد الحزبي والبرلماني، صعد معها حزب مستقبل وطن ليصبح ذو الأغلبية البرلمانية بعدما كان في المرتبة الثانية بعد حزب المصريين الأحرار.

 

سادت في هذه الأثناء توقعات بأن يصبح "مستقبل وطن" هو الحزب الممثل لـ "السلطة"، وعلى الجانب الأخر كان يستعد "الوفد" ليمثل حزب المعارضة، أو هكذا تردد في وسائل الإعلام آنذاك.

 

حزب الرئيس 

 

وفي شهر أبريل من عام 2018 الماضي عقد ما يزيد على 350 عضو بائتلاف دعم مصر، اجتماعا لبحث إمكانية تحويل الائتلاف إلى حزب سياسي، بهدف ملء الفراغ السياسي حسبما صرح بذلك رئيس الائتلاف النائب المهندس محمد السويدي.

 

وبمجرد إعلان رئيس الائتلاف خطواته للتحول إلى حزب، سارع نحو 30 نائبا بإعلان اعتزامهم الانضمام إلى حزب «دعم مصر»، من بينهم 19 عضوا مستقلا، و5 من حزب المصريين الأحرار، ونائبين من مستقبل وطن، ونائب من المصري الديمقراطي، و3 من نواب حزب الوفد.

 

ورغم أن «المادة 6»  في قانون مجلس النواب تنص على إسقاط عضوية النائب حال تغيير صفته الحزبية أو المستقلة التي تم انتخابه على أساسها، إلا أن «السويدي» رئيس ائتلاف دعم مصر، أعلن أنه سيتم تشكيل لجنة قانونية لبحث مدى إمكانية تعديل هذه المادة، وهو ما دفع بعض النواب للانضمام إليه أملا في تغيير المادة.

 

وفجأة، بدى أن الائتلاف الذي يتكون مما يزيد على 300 نائبا من 6 أحزاب ومستقليين، ويستحوذ على الأغلبية البرلمانية بدأت تتسلل إليه الخلافات والتمرد، إذ أعلنت بعض الأحزاب التي تندرج تحت لوائه رفضها للانضمام إليه حال تحوله إلى حزب، وتمسكت بهويتها المستقلة.

 

«مستقبل وطن» يقلب الموازين

 

من أول الأحزاب التي بادرت بإعلان رفضها لانضمام إلى حزب "دعم مصر" كان حزب مستقبل وطن، الذي كان يمثل ثاني أكبر هيئة برلمانية في مجلس النواب وذات ثقل داخل ائتلاف دعم مصر.

 

 

وبرر الحزب رفضه الانصهار في حزب "دعم مصر" حسبما صرح المتحدث باسمه أحمد الشاعر لـ "مصر العربية" بأن "مستقبل وطن" أصبح حزبا كبيرا وقويا له 27 أمانة على مستوى محافظات الجمهورية، لافتا إلى أنه الهدف من وراء الائتلاف  كان تمثيل أغلبية داخل المجلس، أي أن عمله مقصور على الدورة التشريعية الحالية.

 

تعثر وتراجع

 

في هذا التوقيت كان حزب الوفد يسعى إلى تشكيل ائتلاف آخر يكون موزايا لائتلاف "دعم مصر" المعروف بتأييده للحكومة وللسلطة، رغم أن "الوفد" أيضا مؤيدا للسيسي، ولكنه يهدف إلى تمثيل المعارضة داخل "البرلمان".

 

وفي ظل رفض "مستقبل وطن" لحزب "دعم مصر" وسعي الوفد لتشكيل ائتلاف آخر، والاستقالات التي يشهدها حزب المصريين الأحرار، يكون بذلك الأحزاب الثلاثة ذات الهيئات البرلمانية الأكبر داخل البرلمان خارج حسابات "حزب دعم مصر"، وهو ما بدى يمثل تهديدا لاستكمال الفكرة.

 

ومع تلك الشواهد التي تشير إلى تعثر تحويل "حزب دعم مصر" إلى حزب سياسي، اتجه العديد من النواب إلى الانضمام إلى حزب "مستقبل وطن"، مما أثار خلافا بين الأحزاب وبعضها البعض، ولكن يبقى أن تلك التغيرات غيرت كثيرا في المشهد السياسي، ذهب معها بعض السياسيين إلى القول بأن "مستقبل وطن" سيكون هو حزب السلطة بدلا من "دعم مصر".

 

بحسب ما تداولته المواقع الأخبارية نقلا عن مصادر حزبية فإن عدد النواب الذين انضموا إلى "مستقبل وطن" نحو 75 نائبا، منهم علاء عابد، الذي كان يمثل الهيئة البرلمانية لحزب المصريين الأحرار، وذلك بعد أن تقدم باستقالته للحزب وأصبح نائبا لرئيس حزب مستقبل وطن.

 

ومع حركة التنقلات الجديدة بات حزب مستقبل وطن المسطير على الأغلبية البرلمانية، حسبما أعلن ذلك النائب علاء عابد، نائب رئيس حزب مستقبل وطن، والذي أشار في تصريحات صحفية إلى أن عددا كبيرا من النواب معظمهم من "المصريين الأحرار" انضموا مؤخرا إلى "مستقبل وطن، وصل عددهم نحو 43 نائبا.

 

"الوفد" يلبي النداء

 

التحركات التي أجراها حزب مستقبل وطن، العام الماضي، جاءت في إطار إعادة ترتيب الأحزاب والدمج بينهما كما دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي لتقليص أعدادها بهدف تقويتها، وهذا أيضا ما عقد من أجله حزب الوفد اجتماعا مع عدد كبير من الأحزاب، في هذه الأثناء، رغم أن الاستقالات طالته أيضا.

 

واجتمع في إبريل الماضي، أكثر من 40 حزبا داخل أروقة "بيت الأمة" على رأسهم أحزاب " النور، المؤتمر، التجمع، حماة الوطن، الغد"، توصلوا خلاله لقائهم رؤية جديدة بشأن الحياة الحزبية، ودعوا الرئيس عبد الفتاح السيسي لعقد لقاء مع رؤساء الأحزاب لبحث إثراء الحياة السياسية واستغلال دعم  الرئيس للحياة الحزبية.


وخلال الاجتماع قال المستشار بهاء الدين أبو شقة، رئيس حزب الوفد، إن الفترة المقبلة ستشهد عقد ورش عمل وجلسات لإعداد وثيقة وطنية حزبية متكاملة، تلتف حولها الأحزاب والقوى السياسية، لتعيد التوازن للحياة السياسية.


وأعلن الدكتور ياسر الهضيبي المتحدث باسم حزب الوفد في بيان له، أن الاجتماع نجح في بلورة رؤية جديدة للحياة الحزبية في مصر، ليفتح الباب أمام ممارسة ديمقراطية حقيقية تساعد في النهوض بالدولة المصرية خلال الفترة المقبلة. 

وأوضح الهضيبي، أن الاجتماع خرج بعدة توصيات هامة من ضمنها تشكيل لجنة تنسيقية بين الأحزاب والحكومة، وتشكيل المجلس التنفيذي للتنسيق بين الأحزاب والحكومة. 

 

"رزق" يجدد الدعوة 

 

وبعد عام من تعثر محاولات الدمج، تجدد الحديث مرة أخرى عن "دمج الأحزاب" بعد طرح الفكر ثانية في مقال ياسر رزق، الذي دعا فيه إلى إجراء حوار بين الأحزاب خاصة الوفد ومستقبل وطن لتنفيذ مبادرة تستهدف دمج المتشابه منها في البرامج والأفكار والتوجه السياسي.

 

وأوضح رزق، في مقاله المنشور بأخبار اليوم، أن هدف هذه المبادرة هو تشكيل كتل سياسية تعبر عن اليمين واليسار والوسط، قادرة على الفرز وانتقاء العناصر ذات الكفاءة وتأهيل الكوادر القيادية لخوض الانتخابات بدءًا من المحليات وحتى رئاسة الجمهورية.

 

"مستقبل وطن"..الدعوة مفتوحة

وتعليقا على دعوة "رزق" قال النائب عبد الفتاح محمد عبد الفتاح، القيادي بحزب مستقبل وطن، إن مصر لديها نحو 105 حزب سياسي ولكن لا يعمل منهم على أرض الواقع سوى 3 أحزاب على أقصى تقدير، لذا لابد من دمج الأحزاب التي لا تعمل ضمن الأحزاب النشطة ولها هيئة برلمانية.

 

وأضاف عبد الفتاح لـ"مصر العربية"، أن دعوة " ياسر رزق" جيدة ويؤيدها وسبق أن دعا إليها الرئيس، مؤكدا أن مستقبل وطن يرحب بدمج من يريد من الأحزاب، فالدعوة مفتوحة للجميع.

 

وتابع:"ولكن ياليت رؤساء الأحزاب الذين يظنون أنفسهم زعماء أن يبادروا ويقبلوا بفكرة الدمج، فهم من يكسبوا من وراء ذلك وليست الأحزاب الكيرة، فضلا عن أن الدمج فكرة جيدة من أجل مصلحة الوطن والأحزاب لتقوية الحياة السياسية، بدلا من أنهم بعدا عن الساحة بهذا الشكل".

 

وأشار إلى أنه مع تطبيق الدمج لابد أن يكون هناك حزبين على الأقل يتنافسون على السلطة، كما هو الحال في أمريكا إذ يوجد الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

 

بعد رمضان

 

ولفت القيادي بمستقبل وطن إلى أنه من المحتمل أن يكون هناك حوار مجتمعي حول دمج الأحزاب السياسية، بعد شهر رمان الكريم، حتى يجلس رؤساء الأحزاب على طاولة الحوار لدراسة إمكانية بحث الأحزاب المتقاربة أيديولوجيا وفكريا مع بعضها البعض.

 

وكان ياسر رزق قد قال في مقاله :"أتصور أن يدعو الرئيس السيسي في صيف هذا العام بعد انتهاء شهر رمضان والدورة البرلمانية إلى حوار شامل جامع تحت مظلة رئاسة الجمهورية ورعايته شخصيا، بين الأحزاب الشرعية، بغية الوصول إلى نتائج عملية، وتشكيل تحالفات أو كتل أو أحزاب قوية مندمجة من التيار السياسي الواحد، وهذه بلا شك الخطوة الأهم على طريق الإصلاح السياسي المنشود».

 

وحول ما يتعلق بتحويل ائتلاف دعم مصر لحزب سياسي قال عبد الفتاح محمد، القيادي بمستقبل وطن وائتلاف دعم مصر، إن هذه الفكرة غير مطروحة حاليا بين المسؤولين عن الائتلاف، لافتا إلى أنه سبق طرحها ولكنها لم تحقق الهدف منها.

 

تلميحات

وقبل دعوة رزق كانت هناك بعض التصريحات للدكتور علي عبد العال، رئيس مجل النواب، تشير إلى التوجه نحو دمج الأحزاب، إذ قال في إحدى جلسات الحوار المجتمعي التي كانت تعقدها لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بالبرلمان حول التعديلات الدستورية، إن الأحزاب المتقاربة فكريا لابد أن تندمج مع بعضها، لافتا إلى أن هذه تجربة أوروبا والولايات المتحدة وأدت إلى الاستقرار فى بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

 

وفي السياق نفسه كان اللواء محمد صلاح أبو هميلة، نائب رئيس ائتلاف دعم مصر، قد قال في حوار سابق لـ"مصر العربية"، إنه بعد الانتهاء من التعديلات الدستورية، سيكون هناك تعديلا في قانون الأحزاب السياسية، كما أنه ستشهد الساحة الفترة القادمة عملية الدمج بين الأحزاب.

 

مستقبل الدمج

وحول مدى نجاح عملية الدمج بين الأحزاب السياسية يقول سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إنه دائما بعد الثورات يظهر عدد ضخم من الأحزاب التي تتلاشى مع الوقت، ويبقى منها حزبين أو ثلاثة هما الأقوى على الساحة، وهو ما يراه تطورا طبيعي يحدث في أي دولة.

 

وأشار صادق لـ "مصر العربية" في تصريحات سابقة،  إلى أنه في تونس بعد الثورة ظهرت أحزاب عديدة ولكن الآن التركيز فقط على 3 أو 4 أحزاب فقط، وكذلك الحال في مصر قبل ثورة يناير كان فيها 25 حزبا وبعدها سار أعدادها 104، وحاليا تجرى محاولات الدمج للبقاء على اثنين رئيسين أحدهما يمثل السلطة وأخر معارضة.

 

وأشار إلى دمج الأحزاب سبق أن دعا إليها الرئيس، وهو ما سيجعل الأحزاب تسعى جاهدة لتحقيق دعوته، لافتا إلى أن الحياة الحزبية في مصر ميتة، والأحزاب ورقية معظمهم هدفه الشهرة والدعاية".

 

وعن مدى نجاح تجربة الدمج توقع أن تحدث خلافات عديدة بين الأحزاب نتيجة المصالح الشخصية لكل منهم، منوها إلى أنه حتى إذا حدث ذلك فسيبقى نجاح التجربة مرهونا بما ستحققه في الانتخابات سواء البرلمانية 2020 أو الرئاسية 2022.

 

واختتم صادق حديثه قائلا:" الأيام القادمة ستشكف عما إذا كانت هذه التغيرات هدفها الدفع بالحياة الحزبية وتنشيطها، أم فقط ليقال إن مصر لديها نظام حزبي مثل الأمريكان والإنجليز؟، أم ستكون مجرد أحزاب كرتونية كما كانت في عهد مبارك حزب يهيمن والبقية ديكور ".

 

تجارب دمج

 

وسبق أن شهدت مصر في العامين الماضيين بعض محاولات الدمج، منها على سبيل المثال اندماج حزب مستقبل وطن مع جمعية من أجل مصر، رغم أنه في بداية الحديث عن ذلك حدثت خلافات داخل "مستقبل وطن" حيث رفض بعض أعضائه الدمج، وتضاربت التصريحات بين الدمج ونفيه.

 

وأعلن الجانبين بعد ذلك الدمج فيما بينهم، ليؤكد المهندس أشرف رشاد، أن الاندماج يأتى ليكون الكيان الموحد الأقوى والمتفهم لتحولات المرحلة الراهنة، خاصة فى ظل احتياج الوطن لكل سواعد أبنائه، والسعى لتنفيذ ما تحدث عنه الرئيس عبدالفتاح السيسى، من ضرورة الاندماج وتقوية الحياة الحزبية.

 

كما حدث دمج حزبي بين «الجبهة الديمقراطية»، و«المصريين الأحرار»، التي أقرتها قيادات الحزبين عام 2013، واستقْبلت آنذاك بترحيب واسع في الأوساط السياسية، لكن النهايات لم تبد متوافقة مع البدايات.

وفي مايو 2017 تم الإعلان عن دمج حزبي الكرامة والتيار الشعبي تحت اسم "تيار الكرامة"، وبحسب المهندس محمد سامي، رئيس حزب الكرامة، الذي دعا كافة الأحزاب والقوى السياسية إلى الاصطفاف الوطني وتوحيد الصف،  فإن الاندماد بين "الكرامة والتيار الشعبي" بداية للم شمل الأحزاب الناصرية.