في غضون 100 يوم فقط من العام 1994، وقف العالم يشاهد مقتل نحو 800 ألف شخص من قبيلة التوتسي والهوتو المعتدلين في جريمة إبادة جماعية على الأراضي الرواندية، لكن الشعب الرواندي لملم جراحه وانطلق في مسيرة التنمية على مدى ما يزيد عقدين.

 

وكخطوة على طريق التنمية أعلنت رواندا عن إطلاق أول قمر اصطناعي خاص بها للاتصالات يوم 27 فبراير الماضي في إطار مشروع متكامل لتحديث وتطوير شبكة الانترنات بتكلفة 2 ملياردولار أمريكي، بهدف ربط المدارس والمناطق الحضرية بالإنترنت المجاني. 

 

قبل هذا الخبر بنحو 25 عامًا، كانت رواندا التي يطلق عليها أرض الألف تل في شرق أفريقيا بمنطقة البحيرات العظمى الأفريقية لشرق وسط أفريقيا، تجرى فيها أسوأ مذبحة إبادة جماعية تعود جذورها إلى خمسينات القرن الماضي.

 

بمجرد أن تشي ملامحك أوبطاقة الهوية أنك أحد أفراد قبيلة التوتسي التي تمثل نحو 15% من نسبة السكان لا يمكن أن تتخيل أن مصيرك سيصبح أفضل ممن سبقوك حيث القتل والاغتصاب على أيدي قبيلة الهوتو التي تمثل نحو 80% من السكان.

"التمييز الاقتصادي والاجتماعي، ونمط التنمية غير المتوزان ، والاستئثار بالسلطة، تغذية الطابع الإثني من قبل الاستعمار البلجيكي الذي استمر منذ عام 1919 حتى عام 1962"، هذه جملة الأسباب التي أدت إلى الحرب العرقية التي أثخنت جراح الشعب الرواندي. 

 

انتهت الحرب الأهلية في رواندا من خلال اتفاق "أروشا"، ومن ثم شرع الروانديين في لملمة جراحهم والاستعداد للمصالحة الوطنية الحقيقية التي نجح في إقرارها الرئيس بول كاجامي في أعقاب الحرب الأهلية، ومن أبرز آليات هذه المصالح ما يُعرف بمحاكم العشب الأخضر(غاكاكا).

 

ومحاكم (غاكاكا) هي محاكم شعبية  يديرها المواطنون، ظهرت  للمرة في عام 2001، وساعد هذا النظام جزئياً في تسهيل التواصل بين الجناة والناجين كخطوة أولى في مجال الوصول إلى العدالة الانتقالية، وتكون العقوبة أحيانا هو أن يعمل الجاني في حقل الضحية لعدد من السنوات بعد الاعتراف بجرائمه.

 

بالإضافة إلى ذلك، سن الرئيس بول كاجامي قوانين تسمح بالإفراج عن العديد ممن يسمون بالجزارين من السجون إذا ما قاموا بالاتصال بالضحايا الذين بقوا على قيد الحياة، وأعلنوا توبتهم، لذلك نشرت لجنة الوحدة والمصالحة الوطنية في 2016 استقصاءً يبين أن ما يصل إلى 92.5٪ من الروانديين يشعرون أنه قد تم تحقيق المصالحة .

ساعد إتمام المصالحة الوطنية بشكل حقيقي وجذري في دفع عجلة التنمية الاقتصادية خاصة في مجال السياحة، إذ ساعد توفير الأمن على تدفق السياح، إذ تشير التقارير إلى أن 99% من السائحين الزائرين يتمون زيارتهم لها دون أن يتعرضوا لأي مضايقات وليس لحادث ذي طابع أمني.

 

ورغم أن رواندا دولة صغيرة لا تشتهر بشيء يميزها عن الدول المحيطة، باستثناء حيوانات الغوريلا، إلا أن معدل السائحين الوافدين زاد بنسبة تربو على الـ30% خلال العامين الأخيرين، فيما بلغت إيراداتها أكثر من 400 مليون دولار في عام 2016

 

ما ساعد أيضا على تدفق السياح هو تخفيض مقابل تأشيرة الدخول إلى 30 دولارا بدلًا من 100 دولار فضلا عن السماح لأغلبية السائحين بالحصول عليها من المطار، كما اهتمت الحكومة بزيادة عدد الفنادق في البلاد، فتشير بعض التقارير إلى أن السعة الفندقية للعاصمة كيجالي نمت إلى نحو 1000% خلال الأعوام العشرة الأخيرة.

 

وتهتم رواندا بالبيئة، لذلك سنت قوانين صارمة،إذ أقرت الحكومة غرامات كبيرة نسبيًا تصل إلى 150 دولارا كعقوبة لإلقاء القمامة في شوارعها، وأعطت الشرطة بما فيها شرطة المرور سلطة ضبط من يلقي القمامة، وفي حال تكرار تلك المخالفة تزداد قيمتها بشكل مطرد.

وتزداد الغرامات إذا قام شخص بقطع شجرة أو إلحاق الضرر بأحد الطرق، حيث يكون عليه أن يصلح ما أفسده، مع دفعه غرامة بين ألف دولار إلى ألفي دولار، كما يحصل التلاميذ في رواندا منذ أكثر من 10 سنوات على دروس في مادة "البيئة".

 

وفي العاصمة كيجالي لتي تعد من أنظف عواصم العالم، تعمل شركات النظافة في العاصمة على مدار الساعة، ففي الصباح ينتشر عمال النظافة لجمع والتقاط أوراق الشجر والقمامة، أما ليلًا فتنتشر السيارات التي تقوم بغسل الشوارع بالمياه وجمع القمامة من الصناديق المخصصة، لذلك تنفق نحو مليون دولار سنويا على النظافة.

 

فيما يخرج المواطنون في السبت الأخير من كل شهر، التزامًا بقرار حكومي حول "يوم عمل تطوعي"، لتنظيم محيط منازلهم والشوارع في أحيائهم، في حملة نظافة كبيرة تشمل جميع أحياء المدينة، كما لا يسمح للسياح باصطحابهم أكياسهم البلاستيكية حفاظا على البيئة و استبدالها بأخرها ورقية.   

 

في مجال الزراعة، أنشأت الحكومة شبكة هاتفية للمعلومات الزراعية ومكتباً للتصدير ونقل المحاصيل، ووفرت الأسمدة بأسعار رخيصة، ومعداتٍ زراعيةً للتأجير بأسعار مشجعة كما وفرت الحكومة قروضاً ميسرة للمزارعين، لتظهر نتيجة ذلك خلال 5 سنوات فقط.

 

هذه السياسات أدت إلى ارتفع إنتاج القهوة من 30 ألف طن بعد الحرب إلى 15 مليون طن في 1999 أي بعد 5 أعوام من الحرب، كما أنها شجعت الاستثمارات الخارجية عن طريق ما يُعرف بنظام "الشباك الواحد"، الذي يمكِّن المستثمر من إنهاء جميع الإجراءات في مكان واحد وخلال بضع ساعات.

 

بأفريقيا ولا تتمتع بواجهة بَحرية، بات اقتصادها الأسرع نمواً في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، وتضاعف نصيب دخل الفرد من ناتجها المحلي إلى 30 ضعفاً، وأصبحت واحدة من أهم وجهات المستثمرين والسياح بالعالم.

 

خلال الفترة بين عامي 2000 و2015، حقق اقتصاد رواندا نمواً في ناتجه المحلي بمعدل 9% سنوياً، فيما تراجع معدل الفقر في رواندا من 60% إلى 39%، ونسبة الأمية من 50% إلى 25%، وارتفع متوسط حياة الفرد من 48 عاماً إلى 64 عاماً.

 

وبحسب تقرير لمنظمة لمنظمة السوق المشتركة لدول شرق وجنوب أفريقيا "الكوميسا" في 2018، فإن رواندا واحدة من الدول الأفريقية الرائدة في مجال النمو الاقتصادي، وقد شهدت التطور الاقتصادي الأكبر على مستوى العالم منذ 2005

 

وأوضحت المنظمة في تقريرها أن قيمة الناتج الإجمالي المحلي للبلاد ارتفع إلى نحو 8.48 مليارات دولار أمريكي في 2016، صعوداً من 2.58 مليار عام 2005، و1.74 مليار عام 2000، و1.29 مليار دولار فقط في سنة 1995.

وفي عام 2015 أعلن بنك أفريقيا الجنوبية (راند ميرشينت بنك)، في تقرير له أن رواندا احتلت المركز التاسع بقائمة أكثر الدول استقطاباً للمستثمرين في القارة الأفريقية.

 

في السياق ذاته أعلنت وزارة المالية والتخطيط الرواندية 19 سبتمبر 2018 ، أن اقتصاد البلاد توسع بنسبة 6.7٪ في الربع الثاني من عام 2018، مقارنة مع الفترة نفسها من العام 2017، كما ارتفع إجمالي الإنفاق الاستهلاكي النهائي بنسبة 3٪، مع زيادة النفقات النهائية للأسر بنسبة 4٪، وزادت الصادرات الرواندية بنسبة 5٪.

 

ووفقاً للمعهد الوطني للإحصاءات في رواندا، نمت الزراعة بنسبة 6٪ في الربع الثاني من عام 2018، مقارنة مع الفترة ذاتها من عام 2017، والصناعة بنسبة 10٪، في حين سجلت الخدمات نمواً بنسبة 5٪.

 

وبحسب بيانات البنك المركزي الرواندي، فإن العجز التجاري لرواندا انخفض بنسبة 2% في النصف الأول من عام 2018، مقارنة بالفترة نفسها من العام 2017، ويعود انخفاض العجز إلى زيادة عائدات التصدير الرسمية، التي ارتفعت بنسبة 23.2% في النصف الأول من عام   2018