"تويتة" كاذبة عبر حساب وهمي على "تويتر" لم تستغرق أكثر من ساعة حتى فجرت سيل من الهجوم على "السوشيال ميديا" واتهام وسائل الإعلام بمختلف أنواعها بعدم المصداقية ونشر الشائعات والأخبار الكاذبة، بعدما تناقل بعضها هذه التغريدة المزيفة عن تعيين وزير نقل جديد، ولكن ما حقيقة الأمر، وهل هو فخ نُصب لـ"السوشيال ميديا"، وكيف وقعت فيه وسائل الإعلام، وما السبب وراء ذلك؟.

 

في السنوات الأخيرة لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في العديد من القضايا، بل كانت أحيانا بمثابة كلمة السر التي ساهمت في تغيير العديد من مجريات الأمور  بالبلاد، وتسببت في الإطاحة بوزراء ومسؤولين ووقف برامج لمذيعين مشهورين، ووقائع أخر كثيرة كان بطلها "السوشيال ميديا".

 

ولم يخل الأمر من حملات هجوم متعددة على هذه الوسائل الإلكترونية، إذ دائما ما تُتهم بأنها ساحة لترويج الشائعات والأخبار الكاذبة، وتقليب الرأي العام، وإشاعة الفوضى، فهي وسيلة البعض للتمرد وإطلاق الحملات والهاشتاجات والتعبير عن الرأي في بعض القضايا.

 

38 مليون مستخدم

 

وتشير إحصائية نشرها موقع We Are Social، الخاص بمراقبة وضع الإنترنت فى العالم، إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت في مصر بلغ في عام 2017 نحو 48 مليون مستخدم من إجمالي 92.45 مليون نسمة، أي نحو 52%، من السكان، 30% منهم بنحو 27 مليون شخص، يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك، تويتر، إنستجرام" وغيرها.

 

وبحسب عبد الرحمن سليم مدير شركة "آي إم أف إن دي" العالمية، خلال منتدى التسويق والتجارة الإلكترونية الثالث، في مارس 2018، فإن عدد مستخدمي الإنترنت في مصر بلغوا 50 مليون مستخدم، وأن هناك 38 مليون شخص يستخدمون موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، منهم 14 مليون أنثي، و24 مليون ذكر، إلى جانب 11 مليون شخص يستخدمون "إنستغرام"، و3 ملايين يستخدمون "لينكد إن".

 

وتشير الإحصائيات إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت يزيد بمعدلات نمو 41 % سنوياً، بزيادة 14 مليون مستخدم.

 

"التغريدة الكاذبة"

 

وبينما يستمر الجدل والهجوم على "السوشيال ميديا"، جاءت تلك "التغريدة" المزيفة عن وزير النقل، لتزيد الصورة قتامة واعتبرها البعض دليلا على تضليل هذه الوسائل، لتطرح معها تساؤلات عدة حول دور مواقع التواصل الاجتماعي، ومدى أهميتها أو ضررها، وهل يمكن تقنينها كما يطالب البعض؟، وكيف وقعت وسائل إعلام كبرى في فخ "التويتة" الكاذبة؟، وهو ما يجيب عنه خبراء إعلام وصحفيون من واقع وجودهم في "مطبخ الأحداث".

 

تعود بداية القصة إلى أول أمس الأحد، حين انساقت بعض وسائل الإعلام وراء "تغريدة" منشورة على حساب يحمل اسم "خالد عنخ آمون الأول"، قال فيها إن "المهندس محمد وجيه عبد العزيز" سيكون وزيرا للنقل، وأنه "بصدد حلف اليمين لتولي منصبه الجديد".

 

لم يقف صاحب التغريدة عند هذا الحد، بل راح يسرد إنجازات "عبد العزيز" وأنه كان مشرف على إنشاء جميع محطات وأنفاق السكك الحديدية المطورة في فرنسا، وصاحب الطفرة في السكك الحديدية التي حدثت بالسويد على مدار الـ18 عاما الماضية".

 

تناقلت بعض وسائل الإعلام المستقلة والحكومية وبرامج فضائية، هذا الخبر ونسبته إلى مصادر مجهولة دون التحقق منه، لم تكن تعلم أنه "طعم" أو "فخ" كما وصفه محمد بصل مدير تحرير الشروق، نصبها صاحب هذا الحساب الوهمي، الذي عاد بعد ساعة من نشر تغريدته ليقول إن "عبد العزيز" هذا ليس إلا والده الراحل، فعادت وسائل الإعلام لتحذف الخبر وتعتذر عنه.

 

ربما انتهت قصة "وزير النقل المزيف" بحذف الخبر، ولكنها فتحت أبواب أخرى من الجدال بعضها التشكيك والهجوم على وسائل الإعلام ولاسيما "السوشيال ميديا"، وأخرى ترى أن "التويتة" كانت فخ نُصب للترويج بأن وسائل الإعلام لم تعد لديها أية مصداقية وتسير خلف الشائعات وتضلل الرأي العام، وفريق ثالث رأى أن المشكلة بالأساس الأزمة التي يعانيها الإعلام المصري.

 

"كارثة الجرار"

 

نعود بالمشهد للوراء قليلا، قبل أيام حين وقعت كارثة انفجار جرار بدون سائق بمحطة سكك حديد مصر برمسيس نتيجة اصطدامه بحواجز الرصيف رقم 6 نظرا لسرعته الكبيرة، ما أسفر عن اشتعال الحرائق حتى التهمت النيران حياة 22 شخصا وأصابت ما يزيد عن 40 شخصا آخرين، فتلك الحادثة كان لها أصداء واسعة على "السوشيال ميديا"، الذي كان بمثابة بوابة إخبارية يشارك فيها جميع الناشطين. 

 

بمجرد وقوع الانفجار لم يتاون رواد "السوشيال ميديا" عن نشر صور الحادث، وتداول نشطاء أن الجرار كان بدون سائق وهو ما نفته وسائل إعلام لاحقا واعتبرته مجرد شائعات، قبل أن يتم تأكيد المعلومة بعد إلقاء القبض على السائق، غير ذلك مما ذهب إليه البعض من أن الحادث مُدبر والذي تقاسم فيه مؤيدي ومعارضي النظام على حد سواء، فالبعض قال إن "الإخوان" هم وراء الحادث والعكس اتهم آخرون الدولة بالإهمال في السكك الحديدية.

 

إلى جانب ذلك تداول نشطاء آخرون فيديو مجتزيء لكلمة للرئيس عبد الفتاح السيسي يتحدث فيها عن إيرادات وزارة النقل وما تنفقه على هيئة السكك الحديدية وأنه إذا وضع 10 مليارات في البنك ستعود عليه بفائدة، وكانت الكلمة ضمن حديث طويل للرئيس عن تطوير الهيئة.

 

كل ذلك كان حديث برامج "التوك شو" في المساء، إذ شنوا هجوما حاجا على "السوشيال ميديا"، واعتبروها وسيلة خداع وتضليل ونشر شائعات وتقليب الرأي العام باجتزاء الحقائق.

 

 

وجاءت التغريدة المزيفة لتزيد الأوضاع اشتعالا وهجوما على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ اعتبرها إعلاميون وكتاب صحفيون إنها خير دليل على الأخبار المزيفة التي يتم تداولها عبر "السوشيال ميديا".

 

ليس فخا ولكن..

 

في تعليقه على "التغريدة المزيفة" يقول هشام قاسم، الخبير الإعلامي، إن ما حدث ليس فخا كما يصفه البعض، ومن يقول ذلك فهو يحاول تجاهل حجم الدمار الذي أصاب الإعلام المصري، بأن يجد له مخرجا من مأزق شخصي وقع فيه. 

 

ووصف قاسم في حديثه لـ"مصر العربية" حال الإعلام المصري حاليا قائلا:"كما لو أن شخص طعنه أحد بسكين ولم يمت، فوضع له سم ولم يمت أيضا، فأحاطه بالكهرباء"، مشيرا إلى أن تخريب الإعلام سلسلة بدأت منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

 

وأضاف أن تدمير الإعلام استمر حتى أواخر عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ففي هذه الأثناء وبعد الإطاحة به كانت هناك محاولات لعودة إعلام حقيقي، ولكن عاد التدمير مرة أخرى.

 

وعن "السوشيال ميديا" يقول الخبير الإعلام إن العالم كله أصبح يعتمد على هذه الوسائل لأنها شديدة التأثير، ولا يمكن إغفال دورها في الإبلاغ عن مكان أسامة بن لادن عبر تغريدة على "تويتر"، ومع كل حادثة تثبت هذه الوسائل مدى أهميتها وتأثيرها في المجتمعات.

 

ورأى قاسم أن هناك محاولات لإسكات "السوشيال ميديا" التي أصبحت بمثابة وسيلة الإعلام الأهم في مصر، والتي يمكن الحصول منها على معلومات في وقت تنفصل فيه الفضائيات عن الواقع وتخفي فيه المعلومات، وتتجاهل الحديث عن قضايا الرأي العام.

 

وتابع :"أي هجوم على السوشيال ميديا هي بداية للحديث عن تقنين هذه الوسائل لإسكاتها، نحن لم يعد لدينا إعلام حقيقي، حتى هذه الوسائل التي لم نعد نحصل على معلومات إلا منها يستكثرونها على الناس ويدعون أنها مضللة".

 

"مصداقية على المحك"

 

في المقابل قال عماد الدين حسين، رئيس تحرير جريدة الشروق، إن واقعة انسياق عدد من المواقع الإخبارية القومية والمستقلة والحزبية وراء "التويتة الكاذبة" ليست جديدة، فإن كثيرين يقعون ضحيتها فى الفترة الأخيرة. 

 

وذهب حسين،  خلال مقال صحفي على جريدة الشروق، إلى أن «قصة وزير النقل المزيف» تكشف إلى حد كبير هشاشة عنصر المصداقية فى غالبية وسائل الإعلام، ليست فقط فى مصر، ولكن فى أماكن كثيرة بالعالم.

 

أشار الكاتب الصحفي إلى أن الزميل الذى نشر الخبر بـ"الشروق" يدافع عن نفسه بأنه تواصل مع بعض المسئولين بوزارة النقل ولم ينفوا الخبر بوضوح، مضيفا :"وبالطبع حتى ذلك لا يبرر الوقوع فى الخطأ".

 

وتابع حسين :"القصة أكبر من خبر خاطئ أو كوميدى بهذا الشكل، للأسف الشديد مصداقية غالبية وسائل الإعلام خصوصا الإلكترونية صارت على المحك"،  وإذا كان العديد من المتعلمين والمثقفين يقعون ضحية الأخبار مضروبة، فمن الطبيعى أن نعذر كثيرا البسطاء الذين يصدِّقون «الأخبار المضروبة والمفبركة»، لكن كيف نعذر صحفًا ومواقع كبرى إذا وقعت فى نفس الخطأ؟!.

 

وأسرد حسين عدد من الأسباب التي تجعل الصحفي لا يتحرى صدقا معلوماته، منها الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تجعل المجرر يعمل في أكثر من صحيفة وبالتالي ليس لديه وقت للتحقق من دقة الأخبار.

 

"فخ للتشكيك"

 

قراءة أخرى لقصة "الوزير المزيف" جاءت في تعليق الكاتب الصحفي محمد سعد عبد الحفيظ، عضو مجلس نقابة الصحفيين، إذ يقول :"لم تكتفوا بحصار الصحافة وتجفيف منابع الصحف بالاستحواذ والتعليمات ومنع المصادر الرسمية من نقل معلومات حقيقية للصحفيين، ووصل بكم الحال إلى نصب فخ للمواقع الصحفية".

 

واعتبر عبد الحفيظ، خلال منشور له عبر حسابه على فيس بوك، أن الهدف مما وصفه بـ"الفخ" هو أن الصحافة مصداقيتها ويتشكك المواطن فيما تطرحه من أخبار وتحليلات، ليقبتوا وجهة نظرهم أن الصحفيين ينقلون الشائعات وأنهم يروجون الأكاذيب".

 

وتابع :"الخبر الذي نقلته مواقع لصحف كبيرة منها "الشروق"، خطيئة كبيرة تستوجب الاعتذار وهو ما قامت به "الشروق" وغيرها من المواقع التي نقلت الخبر، لكن ما يجب أن نقف عنده نحن أبناء المهنة هو "كيف نقاوم ما يريده هؤلاء بنا؟.. كيف ننقذ ما تبقى من مهنة مستهدفة من مؤسسات الدولة مجتمعة؟ كيف نعيد مد الجسور مع الناس ونستعيد ثقتهم رغم محاولات الحجب والمنع والحصار؟".

 

واستطرد:"ما سبق رسالة إلى أهل المهنة، أما للجمهور: فالأصل أننا نعمل لديكم وليس لدى الحكام، وما يجري الآن استثناء نعتذر عنه ونعدكم بالعودة حين يقضي الله أمرا".

 

لتشويه "السوشيال ميديا"

 

ورأى الكاتب والصحفي مدحت صفوت، أن بحكم عمله في الصحافة منذ عام 2006 فإن الصحافة تمر بأوأ حالتها، وهناك الكثير ممن ينقل الأخبار دون تدقيق ولكن واقعة "الوزير المزيف" كانت متعمدة لتشويه مصداقية وسائل "السوشيال ميديا" والتأكيد على كذبها.

 

ولفت صفوت، عبر حسابه على فيس إلى أن صاحب الحساب المزيف أصبح متابع من 7000 شخص فقط بعد الضجة العالمية حوله، متسائلا :"فكيف لشخص ليس له متابعين يحدث تأثير في عالم واسع مثل تويتر لدرجة أن تتناقل عنه وسائل إعلام ولاسيما القومية خبر مثل هذا بدون التأكد من مصدر موثوق في مجلس الوزراء؟".

 

وأشار إلى أن حديث "خالد" صاحب الحساب المزيف يبدو من حديثه لبعض الصحف أنه نشر هذا الخبر لغرض ما، وهو التأكيد على كذب السوشيال ميديا.

 

وأضاف :"المخطط اللي اتعمل لنشر التويتة دي كان الغرض منه تكذيب السوشيال ميديا، وهي فعلا مصدر مهم للشائعات وترويج الأكاذيب أحيانًا، طيب حتى شوف عناوين الصحف في معالجة الأمر «فخ السوشيال ميديا»، و« وسائل إعلام تسقط في بئر "ترويج الشائعات" بسبب "تويتر"».. واللي بدأ موضوعه بـ«عشرات بل مئات وآلاف الشائعات تتردد عبر منصات التواصل الاجتماعي بشكل يومي»، أي محاولة عملية تقولك «كذب السوشيال».

 

وأردف :"أعلم أن أنها منصات «شائعات» وآخرها يوم الجمعة، حسابات الإخوان حسست أن مصر مليئة بالمظاهرات والتحرير مليان ويفيض، ونشروا فيديوهات قديمة لأحداث 25 يناير على أنها 1 مارس، أهي عالم مخها فاضي وعايشة الوهم، ولكنها أيضا أداة تأثير.، وموضع انتشار الشائعات مرتبط في جوهره بغياب المعلومة الرسمية وانعدام الشفافية".

 

وقائع سابقة

 

وكانت "السوشيال"  قد شغلت حيزا من خطابات الرئيس عبد الفتاح السيسي، وحذر من تلقي المعلومات منها، إذ قال أثناء لقائه عددا من ممثلي المجتمع بنبرات غاضبة: "أوعى تكون مصدر معلوماتكم السوشيال ميديا"، معتبرا أنها السبب في افتعال بعض المشكلات التي يواجهها المجتمع خاصة قضيتي مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني وجزيرتي تيران وصنافير.

 

 

وبعد هذا الخطاب تسابق النواب في عرض مقترحاتهم بإصدار قوانين لضبط آليات استخدام الفيسبوك، أحدهم اقترح أن يقترن إنشاء الحساب ببطاقة الرقم القومي للمستخدم، وآخر طالب بغلق الفيسبوك نهائيًا، وثالث تقدم بمقترح لقانون مكافحة الجرائم الإلكترونية، والذي صدق عليه الرئيس فيه أغسطس الماضي بعد موافقة البرلمان عليه.

 

ويتضمن القانون 45 مادة يفرض عقوبات بالسجن والغرامات المالية على جرائم معلوماتية تشمل اختراق المواقع أو الحسابات، بهدف الحصول على أموال الغير أو الاحتيال، أو تداول محتوى ينافي الآداب العامة، أو ممارسة القرصنة الإلكترونية، أو إدارة مواقع تستخدم لتسهيل جرائم مثل الإخلال بالنظام العام أو الأمن القومي أو الاقتصاد الوطني.

 

وكانت مواقع التواصل الاجتماعي بمثابة البطل في بعض الوقائع التي تصدت فيها لوزراء ومسؤولين وتبنت فيها حملات اجتماعية، أخرها حملات "خليها تصدي، وخليها تعفن، خليها في المصنع".

 

وتصدت "السوشيال ميديا" لتصريحات وزير العدل الأسبق المستشار محفوظ صابر التي قال فيها "ابن الزبال لن يكون قاضيا" اضطرت الحكومة للإطاحة به بعد هاشتاج طالب بإقالته، وتكرر الأمر نفسه مع المستشار أحمد الزند، وزير العدل السابق، لتصريحه بأنه يمكنه حبس أي حد أخطأ حتى لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم، ما أثار ثورة غضب على الفيسبوك أجبرت الحكومة على إقالته.

 

كذلك كانت سببا في وقف برنامج ريهام سعيد، بعد تدشين هاشتاج يطالب بوقف البرنامج على خلفية إذاعة صور فتاة المول، وإقالة هاني المسيري محافظ الإسكندرية، بعد الهجوم عليه من نشطاء الفيسبوك وتويتر لغرق الأسكندرية في كارثة الأمطار، وقاد رواد "السوشيال ميديا" حملة ضد تسليم مصر لجزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية.