لا يكاد يمر يوم إلا ونسمع ونقرأ عن حادث قطار في محافظة من محافظت مصر المختلفة، والتي كان أبشعها بالطبع وأصعبها حادث محطة مصر في رمسيس الذي أودى بحياة أكثر من28 شخصا، وأصابة أكثر من 50 آخرين.

في نفس يوم حادث محطة رمسيس، وقع حادث آخر ي مطروح، كما تعددت الحوادث من يومها حتى اليوم، وكان ىخر تلك الحوادث خروج قطار عن مساره في سيدي جابر.

كثرة الحوادث أثارت القلق من طريقة معالجة نظام عبدالفتاح السيسي لهذه الكوارث، فرأس النظام لا يعترف بأهمية دراسات الجدوى، ولا يقيم وزنا لحياة البشر، وكل ما يشغله هو "الفلوس"، ويرى أن وضع مليارات إصلاح مرفق السكة الحديد في البنك أفيد وأجدى.

 

عقيدة الصدمة

 

في كتابها "عقيدة الصدمة: صعود رأس مالية الكوارث " الذي يعد أفضل كتب الاقتصاد السياسي في التاريخ الحديث، شرحت الكاتبة والصحفية الكندية ناعومي كلاين كيف تستغل الأنظمة الكوارث والصدمات التي تقع للشعوب، سواء كانت كوارث طبيعية أو مفتعلة، من أجل تمرير مزيد من السياسات التي تعزز نهب ثروات تلك الشعوب.

 يمكن اعتبار هذا الكتاب الموسوعي الضخم أهم ما صدر عن السياسات الاقتصادية والاجتماعي المطبقة من قبل المؤسسات و الدول الكبري في العالم منذ ثلاثين عاما، وخاصة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وإلى الان. وفي هذا الكتاب، تفضح نعومي كلاين أسطورة انتصار اقتصاد السوق الحرة عالميًا بطريقة ديمقراطية، وتكشف أفكار ومسارات المال، وخيوط تحريك الدمى وراء أزمات وحروب غيّرت العالم في العقود الأربعة الأخيرة. 

وتسمي الكاتبة هذه السياسات بسياسة " المعالجة بالصدمة ". وتشرح ما جرى في البلدان التي تعرضت للعلاج بعقيدة الصدمة، كما تُشرح تأثير سياسات صبيان مدرسة شيكاغو على الدول التي طبقتها، سياسياً واجتماعياً، من إندونيسيا سوهارتو إلى تشيلي والأرجنتين والبرازيل ثم روسيا وشرق آسيا وصولاً إلى العراق حيث يقوم مذهب رأسمالية الكوارث على استغلال كارثة، سواء كانت انقلاباً ، أم هجوماً إرهابيا، أم انهياراً للسوق، أم حرباً، أم تسونامي، أم إعصارا، من أجل تمرير سياسات اقتصادية واجتماعية يرفضها السكان في الحالة الطبيعية.

ارتبط اسم ميلتون فريدمان ميلتون فريدمان بقسم العلوم الاقتصادية بجامعة شيكاغو التي لعبت دوراً يتجاوز دورها كجامعة، بل كان هذا القسم مدرسة للفكر المحافظ، ومقراً للمعادين للكينزية، وللتدخل الحكومي، والداعين لحرية مطلقة للأسواق. في إحدى مقالاته الأكثر تأثيرًا، صاغ فريدمان العقار السري التكتيكي للرأسمالية المعاصرة؛ وهو ما فهمت كلاين أنه “مبدأ الصدمة”. يرى فريدمان أن “الأزمات فقط، حقيقية أو متصورة، تنتج تغيرًا حقيقيًا”؛ فعند وقوع كارثة تُعتمد الإجراءات التي يتم اتخاذها بناء على الأفكار المتاحة؛ حيث يقوم بعض الناس بتخزين سلع معلبة ومياه استعدادًا لكوارث كبرى؛ بينما يخزّن أتباع فريدمان أفكار السوق الحرة. بوقوع الأزمة، نجد فريدمان مقتنعًا بضرورة التحرك سريعًا، لفرض تغيير دائم قبل عودة المجتمع الذي اجتاحته الأزمة إلى “شدة وطأة ظروف ما بعد الكارثة”؛ وهو تنويع على نصيحة مكيافيلي بوجوب إيقاع “الأضرار كلها مرة واحدة”.

يؤكد الكتاب أن السياسات الاقتصادية النيوليبرالية: الخصخصة، وتحرير التجارة، وخفض الإنفاق الاجتماعي؛ التي فرضتها مدرسة شيكاغو ومنظّرها ميلتون فريدمان عالميًا كانت سياسات كارثية. ولأن نتائجها وخيمة وتؤدي للكساد وتفاقم الفقر، ونهب الشركات الخاصة للمال العام، فإن وسائلها كارثي تعتمد الاضطرابات السياسية والكوارث الطبيعية والذرائع القسرية لتمرير “إصلاحات” السوق الحرة المرفوضة شعبيًا. 

 

السيسي وعقيدة الصدمة

 

لا يختلف السيسي عن أي من الحكام المستبدين الذي طبقوا عقيدة الصدمة، بل إن كل سياسات السيسي الاقتصادية كانت وفق كتالوج مدرسة شيكاغو وعصابة فريدمان.

بعد أيام من انقلاب 2013، اتخذ السيسي أول خطوة ضمن روشتة مدرسة صبيان شيكاغو، فطلب من الشعب تفويضا لمواجهة "الإرهاب المحتمل" وكان ذلك قبل أن تقع أي حوادث إرهابية، وبعد وقوعها، سرعان ما استخدمها السيسي ذريعة الحرب على الإرهاب حجة لتمرير جملة من القرارات على المستوى السياسي والاقتصادي، كلها ضمن كتالوج مدرسة شيكاغو.

كل المخاوف الآن من أن يحاول السيسي استغلال كوارث القطارات، ليعلن ان الحل هو في بيع وخصخصة مرفق السكة الحديد، بعد أن يتهم الدولة بالفشل في إدارة المرفق المهم، وبالطبع لن يتحدث مطلقا عن مسئولية النظام الحاكم عن تطوير هذا المرفق، لكنه سيركز فقط على كوارثه وكأنها من اختراع المرفق نفسه، لتكون حجة لبيعه.