أشار "إبراهيم يُسري" مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، إلى أن الحكم العسكري في مصر استمر قرابة الـ 70 عاما ويعتزم البقاء 70 سنة أخرى ما لم تحدث مفاجآت غير عادية، موضحًا أن السيسي بات يتحكم بقوة في كل مقاليد الحكم ولن يُسلم السلطة إلا بثورة عارمة أو انقلاب عسكري.

جاء ذلك في تصريحات ليُسري خلال مقابلة مع "عربي21"، وإليكم تصريحات السفير المصري الأسبق كاملة....

حياة الإنسان هبة من الله وليس من السهل التوسع فيها شرعا وقانونا، فالإعدام في الشريعة الإسلامية كان يقتصر على من ارتكب جريمة قتل إنسان وفُتح المجال أمام تجنبها بقبل ولي الدم، واقتصر الحكم بالإعدام تعذيرا إذا كانت الجريمة تمثل خطرا كبيرا على المجتمع، وذلك وفقا لتقدير القضاء.

وفي قانوننا أُبيح للقضاء بالحكم بالإعدام في الأحوال التي يثبت فيها ارتكاب جريمة القتل أو الخيانة، لكنه استلزم موافقة كل القضاة الذين تُعهد إليهم القضية، وأكد القانون على إفساح المجال أمام المتهم ومحاميه بتقديم الدلائل القاطعة على البراءة دون الاقتصار على اعتماد شهادة الشهود أو تقارير الشرطة.

لكن حدث ما لم أشهده في القضايا الجنائية مما يبعث على الاعتقاد بوجود ثغرات في إجراءات قضايا الإعدام خاصة وأن عدد المحكوم بإعدامهم يبلغ العشرات، ولم تنشر وسائل الإعلام حيثيات تلك الأحكام، وهذا ما ينبغي اتخاذه حتى يقتنع الضمير الجمعي للشعب باستحقاق الحرمان من حقه في الحياة، وقد صادفت في عملي بالمحاماة قضاة تجنبوا الحكم بالإعدام طيلة ممارستهم القضائية.

هذه الدعوات بدأت قبل ثورة 25 يناير، وقد شاركت فيها بإعلان جبهة النهضة ثم جبهة الضمير الوطني بعد الثورة وبعدها شاركت في الدعوة للاصطفاف في وثيقة إعلان القاهرة.

وقد استمرت الجهود في هذه الأيام، ولكن ظهر أن بعض النخب تُمارس السياسة بآلية المشاعر الشخصية من حب أو كراهية وهي أمور لا مكان لها في قاموس السياسة، فهي تتجنب التوافق في وقت تحتاجه البلاد لإرساء ديموقراطية قوية بالأساليب السلمية ووفقا للقانون والدستور، ورفض النخب لاستعادة روح ميدان التحرير التي شكلت أقوى اصطفاف، وكان ذلك أهم أسباب نجاح الثورة، مما يفصح عن أن نخبنا تعاني من طفولة سياسية، فضلا عن أنها تعاني من ضعف شديد يشل حركتها ويعطل قوتها.

ودعني هنا أوضح أنني عزفت عن ممارسة السياسة، ولم اقتنع بالانضمام لأي حزب قبل حركة 1952 وحتى الآن، ولكنني لم أتوقف عن القيام بواجبي كمواطن وكان وما زال إسهامي في الأساس قانونيا أو ناقدا بكتابة مقالات لسياسات مشوبة بالتسرع أو النقص في خبرة وصلاحية دوائر صنع القرار أو القرارات الحزبية الضيقة التي تُتخذ في مقراتنا المغلقة، ومن المؤسف إصرار النخب على سياسة الاقصاء ورفض الاصطفاف.

والمعارضة عندنا هشة وقادتها تنقصهم أولويات العمل السياسي؛ فإقامة نظام ديموقراطي حقيقي أمر في غاية الصعوبة في مصر طالما كان الحاكم عسكريا يعتمد على دعم الجيش، ودلالة ذلك أن النخب طلبت إجراء انتخابات مبكرة فأضاعوا مكسبا تاريخيا، وهو ضرب الشرعية والتآمر عليها، وشاركوا في حركة 30 يونيو، وشهدنا في المرحلة الحالية أقطاب 30 يونيو يتراجعون عن تأييد نظامها.

تعديل الدستور خطوة خطيرة يجب تناولها بالدراسة، لأن الدستور يأتي كعقد اجتماعي يتم اعتماده باستفتاء شعبي والقاعدة المُتبعة دوليا هي الحفاظ عليه لعشرات -إن لم يكن لمئات – السنين، ولكن الأمر في مصر مختلف تماما.

فبعد التغاضي عن دستور 1954 الرائع أصبح الدستور يُصاغ على نهج الحاكم، وبالتالي دخلنا في لعبة إصدار دساتير لكل حاكم، بينما تدوم الدساتير مئات السنين، فالدستور الأمريكي صدر في القرن الثامن عشر أي منذ 230 سنة، والماجنا كارتا بإنجلترا في القرن الرابع، وقس على ذلك في الدول الأوروبية وفي الهند.

وعليه، فإن التسارع في استصدار الدساتير يكشف عن عيب خطير في التطبيق الديمقراطي ومن هنا لا أحبذ تعديل الدستور على مقاس كل حاكم.

النخب قامت بدور وطني كبير قبل ثورة 25 يناير، ولكن الواقع السياسي الآن قد شابه تغيير جذري فهي تكتفي بإصدار بيانات عنترية، ولكنها في واقع الأمر أصبحت غير قادرة على تطوير هذه البيانات إلى عمل سياسي سلمي، وأتوقع أن تمر هذه التعديلات لتسمح باستمرار النظام حتى سنة 2034 وما بعدها.

وأرى أن ما تقوم به النخب والمعارضة ضجيج بلا طحين، فالمعارضة في الداخل والخارج تحتاج إلى تغييرات كبيرة وأهمها بزوغ قيادات جديدة، بل إنني لا أري أن هناك معركة بالنسبة لتعديل الدستور، فالمعارضون يكتفون بكتابة بيانات الرفض والتنديد.

كتبت ودعوت كل من لا يؤيد التعديلات ألا يدلي بصوته، وأن يتجنب الاقتراب من اللجان حتى لا يتيح تحويل صوته من الرفض إلى الموافقة. أما مقارنة البعض بحالة بينوشيه في تشيلي فهي غير واردة للاختلاف الجذري بين الحالتين.

بكل صراحة وبعد ممارستي للعمل الدبلوماسي وأحكام القانون الدولي أرى أنه ينبغي ألا نضع ثقتنا وأملنا في المجتمع الدولي والرأي العام العالمي، ومجلس حقوق الإنسان، ومجلس الأمن، فكلها اصطلاحات رائعة ومنظمات نشطة، ولكن دورها هو كشف انتهاكات حقوق الإنسان وتعتبر منبرا يكشف هذه الانتهاكات دون وقفها.

هذا ما يصعب التنبؤ به، ولكني أظن أن الدافع يتعلق بفكر النظام نفسه وخطته المستقبلية التي ينبغي متابعتها بعناية.

المؤسسة العسكرية اندمجت مع كل سلطات ومؤسسات الدولة واخترقتها وصارت لها السيطرة والرأي في كل أنشطتها، وهو وضع غير مألوف إلا في بعض الدول الشمولية ولا أستطيع تقييم ذلك، ولكني لا أتوقع لها أداء ضعيفا لنقص الكفاءات والخضوع لأسلوب العسكر.

وباقي مؤسسات وأجهزة الدولة ليس لها من مواقف تخالف إرادة النظام، بل تتقبل كل سياسات واتجاهات المؤسسة العسكرية.

بدأت مشاكل سيناء منذ عقود وازدادت بعد اتفاقية السلام (كامب ديفيد)، وأُعدت لها مشروعات كبيرة للتنمية إلا أنها توقفت فجأة وبدون تفسير، مما أذهل الجميع بمن فيهم وزير الإسكان الأسبق المهندس حسب الله الكفراوي.

وقد تابعت تطورات الوضع في سيناء وأعكف الآن على إعداد كتاب شامل عن أزمة سيناء التي نبهت إليها لجنة الأزمات بالأمم المتحدة مبكّرا وألحقت هذه الدراسة بتقرير لاحق يحذر من نتائج خطيرة يدعو لتجنبها.

وحل مشاكل سيناء يأتي بالتنمية وليس بالمدفع والطائرة، واقترحت في هذا العمل ألا نستخدم الأسم الجغرافي سيناء، بل قد ندعوها الوجه الشرقي تعبيرا عن اندماجها بالوطن المصرية. ولكن أهم نتائجها في رأيي هو انتهاء التزامات اتفاقية السلام.

ودعنا أولا أن نقيم ظاهرة الاٍرهاب في مصر لأول مرة في تاريخها؛ فهناك خلط بين الاٍرهاب والإجرام، كما نلاحظ أن النظام الجديد تحدث فقط في بداية حكمه عن إرهاب محتمل.

ومن المهم أيضا التمييز بين الفعل ورد الفعل؛ فقد تمت أعمال تُنسب للإرهاب نتيجة لتبني سياسة الحلول الأمنية.

الحكم العسكري استمر لما يقارب 70 عاما ولديه النية للبقاء 70 سنة أخرى ما لم تحدث مفاجآت غير عادية. والسيسي يملك بكل قوة مقاليد الحكم ولن يسلمها إلا بانقلاب عسكري عليه أو ثورة شعبية عارمة تطيح به، خاصة أن قانون الحكم العسكري هو أنه لا يسقط إلا بفعل من داخل المؤسسة العسكرية.

الدور الأمريكي يتبع دائما سياسة خبيثة لإضعاف العرب والاستيلاء على أموالهم ودعم ربيبتهم إسرائيل ولا شأن له بالحرية وحقوق الإنسان، ولذلك على العرب كشفه وإفشاله. وطالما ينفذ الرئيس السيسي ويؤيد البيت الأبيض فلا قطيعة بينهما.

كيف تابعت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن حقوق الإنسان بمصر خلال زيارته الأخيرة للقاهرة؟

الرئيس الفرنسي بادر بزيارة مصر ليبدي اهتمام فرنسا بعلاقتها مع القاهرة ربما لأسباب اقتصادية في المقام الأول، ولكن حديثه عن حقوق الإنسان يقصد به التأكيد على الالتزام الأوروبي بتطبيق مبادئ حقوق الإنسان في مصر غير أنه حرص على تأكيد قوة العلاقات بين البلدين.

الأوضاع الراهنة لن تتغير إذا استمر ضعف النخب والقيادات وفي ظل اكتفاء الطبقات الفقيرة والمتوسطة بالعويل والشكوى؛ فالشعب الواعي المنظم هو الوحيد الذي يملك مفتاح التغيير.

والمخرج السياسي الفاعل هو اصطفاف كل القوي السياسية دون إقصاء بحيث تتمكن من اتخاذ مواقف سلمية قانونية كالإضراب والعصيان المدني قبل أن تقع في بحر من الدماء أو تموت عطشا.