ربما يعتقد البعض من عنوان المقال أنني من جيل قديم عاصر عهدًا كان فيه للبريزة والشلن وزنًا وقيمة، الحقيقة أنني من مواليد 1992 أي عمري حاليًّا 26 عامًا فقط، لكن ربما تستغرب إن حدثتك عن ذكرياتي مع البريزة والشلن، وما كنت أستطيع شراءه بهذه النقود القليلة منذ حوالي 15 عامًا، نعم 15 عامًا فقط أي في بدايات الألفية الثالثة.

ما يدعوني للعودة بالذاكرة إلى تلك السنوات، هو حالة جنون الأسعار التي تغزو بلدنا حاليًا جراء ما يطلق عليه النظام الحاكم «الإصلاح الاقتصادي»، وهو في الحقيقة ليس إصلاحًا اقتصاديًا بل قتلًا ممنهجًا لآدمية المواطنين وكرامتهم، جريمة بحق إنسانيتهم وطموحهم وأحلامهم ومستقبلهم.

لست خبيرًا اقتصاديًا، لكنني قرأت الكثير من التحليلات حول الوضع الاقتصادي والآثار المترتبة على زيادة الأسعار بهذه الطريقة الجنونية على المستويين الاجتماعي والسياسي، فلا يكاد المواطن يضع رأسه على الوسادة حتى يستيقظ على نبأ ارتفاع أسعار الوقود تارة وارتفاع فواتير الكهرباء والماء تارة أخرى، وهلم جرا.

عندما التحقت بالمدرسة الابتدائية في قرية أولاد محمد بضواحي محافظة أسيوط، كان لي شقيق يكبرني بثلاث سنوات، وكان والدي يعطينا مصروفًا يوميًا ربع جنيه، نقسمه كالآتي، كل منا ساندويتش فلافل ببريزة، والشلن نشتري به لبان، لم نكن بحاجة لأجرة مواصلات لأن المدرسة كانت قريبة من المنزل، وظل الأمر هكذا طوال سنوات المرحلة الابتدائية تقريبًا، إلا في بعض الأوقات عندما أحس بالجوع يقرص معدتي وأن ساندويتشًا واحدًا غير كافٍ، كنت أهرول إلى عمي الذي يعمل مدرسًا بالمدرسة فأطلب منه بريزة أخرى لشراء ساندويتش آخر.

وعندما انتقلت للمدرسة الإعدادية ومقرها في قريتنا أيضًا، زاد المصروف فكنت أحصل على نصف جنيه بحاله، زاد المصروف وزاد معه ثمن ساندويتش الفول والفلافل، فأصبح الساندويتش الواحد بربع جنيه، أشتري ساندويتشين بالنصف جنيه، وهكذا إلى أن انقضت سنوات الإعدادية الثلاث، تذكروا أعزائي أن ذلك كان تقريبا في أعوام 2004 و2006، أي ليس ببعيد عن وقتنا الحالي.

نأتي للمرحلة الثانوية، وفيها اختلف الوضع كثيرًا ففي السنة الأولى وصل المصروف اليومي إلى جنيه بحاله، نصف جنيه أجرة السيارة من المنزل إلى المدرسة والعكس، والنصف جنيه الأخر ثمنًا لساندويتشي الفلافل، كان هذا في السنة الأولى من الثانوية العامة، لكن في السنتين ثانية وثالثة ثانوي، زادت أسعار البنزين وقتها، فارتفعت أجرة المواصلات إلى حوالي 75 قرشًا، وعليه زاد المصروف من جنيه إلى جنيه وربع.

قد يتهمني البعض بالكذب أو أن الأسعار التي أوردها ليست حقيقية، وهم لديهم حق في عدم التصديق إذا كانوا من سكان المدن، فلربما تلك الأسعار كانت موجودة فقط في قريتنا البعيدة النائية، ربما، وما يدلل على ذلك واقعة طريفة حدث مع أحد الأصدقاء بالجامعة، كنا نخبر بعضنا البعض عن حياتنا والمواقف التي مررنا بها وهكذا، وحكيت له عن الدروس الخصوصية التي أخذتها في بعض المواد وليس كل المواد خلال المرحلتين الأولى والثانية من الثانوية العامة وكيف أنني كنت أدفع 3 جنيهات فقط في الحصة، نعم والله، كانت حصة الدرس سواء إنجليزي أو رياضيات أو فرنساوي بـ15 جنيهًا فقط لا غير، ونحن كنا خمسة طلاب كل واحد منا يدفع 3 جنيهات فنكمل الـ15 جنيهًا ونعطيها للمدرس، هذا الأمر تبدل قليلًا في ثالثة ثانوي وزاد ثمن الحصة إلى 20 جنيهًا بدلًا من 15، وعليه أصبح لزامًا على كل طالب دفع 4 جنيهات بدلًا من ثلاثة.

أتذكر أنني كنت أجمع شهريًا 40 جنيهًا، أحصل عليها مقسمة كالآتي 20 جنيهًا من معاش جدتي «أحكام» المقدر بـ95 جنيهًا، و10 جنيهات من معاش جدتي «نعسة» المقدر بـ50 جنيهًا، و10 جنيهات أخرى راتب عمي «أبو الحمد»، كانت تلك الـ40 جنيهًا تغطي تكاليف الدروس الخصوصية في مرحلتي الثانوية وتفيض.

كنت أقول هذا الكلام لصديقي الجامعة وأنا متأثر وكأنني أشكو ارتفاع الأسعار، فما كان منه إلا أن لكمني في صدري وهو يجز على أسنانه ويحكي لي عن أسعار الدروس الخصوصية في مدينته، ربما كانت الإسكندرية.

أنا مؤمن جدًا أن الحال لا يبقى كما هو عليه، وأن الزمن في تغير مستمر، وأن ارتفاع الأسعار شر لا بد منه، لكنني مؤمن أيضًا أن الطريقة التي يدار بها الأمر في مصر ليست سليمة، وأن أي حديث عن حتمية رفع الأسعار بهذا الشكل لتحقيق الإصلاح هو حديث إفك، لأن الجوع سيولد المهانة، والحاجة ستولد الانكسار، وقلة الحيلة ستولد الجريمة، ونحن مجتمع مليء بالعقد النفسية ولسنا حمل عُقد جديدة، بالأمس قلنا وداعًا للبريزة والشلن، واليوم نقول وداعًا للجنيه، وغدًا نقول وداعًا للألف جنيه وربما المليون جنيه.