لا يحتاج أي مُتابِع أو مُهتم أو مُنشغل بالشأن المصري أي مجهود كي يقول بضمير مُستريح ونفس مطمئنة وعقل مقتنع أن مصر اليوم ليست بخير. مصر اليوم مُجهدة، مُتعبة، مُرهقة، غاضبة، حانقة، متذمرة. مصر اليوم تنتابها لحظات آلم من ماضٍ قريب خُدعت فيه. إن الحالة المصرية اليوم حالة ضبابية تجمع ما بين الارتباك والإحباط والغضب.

ومصر تنتابها اليوم كذلك لحظات يمتزج فيها الخوف باليأس من مستقبل مُظلم مجهول تحتار في توصيفه وتشفق على نفسها وتجزع من استشرافه.

لعل حال الشعب المصري اليوم يُشبه إلى حد قريب أسطورة سيزيف الإغريقية الشهيرة.

فسيزيف أوسيسيفوس كان ملكًا عُوقب في تارتاروس بأن لُعـِن بأن يدفع حجرًا لأعلى الجبل، ليراه بعد ذلك يتدحرج إلى الوادي، فيعود لدفعه أعلى الجبل تارة أخرى، ويظل يفعل ذلك إلى الأبد.

وكان سيسيفوس أحد أكثر الشخصيات مكرًا بحسب الميثولوجيا الإغريقية، حيث استطاع أن يخدع إله الموت (ثانتوس) وتكبيله، مما أغضب كبير الآلهة (زيوس)، فعاقبه بأن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل القمة تدحرجت إلى الوادي، فيعود إلى رفعها إلى القمة، ويظل هكذا أبد الدهر.

والسيزيفية تعتبر كل مثال للنشاط غير الهادف والسعي المتخبط والفاشل والذي لا يصل إلى أي نتيجة.

وهكذا حال الشعب المصري كُتب عليه في كل عهد أن يعيد حمل الحجر لأعلى ثم يسقط الحجر ليعيد حمله من جديد ويصعد به إلى قمة الجبل!

والحجر هنا هو ما يسمى في كل العهود (من السادات وحتى السيسي) عملية الإصلاح، وما ينتج عنه من غلاء طاحن وفاحش يهرس قلب وعظم المواطن المصري تحت وطأته.

ففي كل مرة يُطلب من الشعب المصري تحمُل ضريبة الإصلاح من أجل أن تعبر مصر إلى بر الأمان مع ولى النعم وسيد كل عصر ورمز التحدي وزعيم الشعب!

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: âââ3â أشخاصâØ ÙââبدÙØ©âââ

والغريب والعجيب والمحير أن عملية الإصلاح وما ينتج عنها من أعباء لا يتحملها إلا الفقراء المطحونين المعوذين بفقرهم وحاجتهم، بينما الأغنياء المتخمين بثرواتهم وشهواتهم يزدادون غناء، ويزيدون في ظل ذلك الإصلاح المزعوم من ثرواتهم أضعاف مضاعفة من الملايين إلى المليارات.

وذلك أمر يثير الرثاء إلى حد البكاء ويتعدى حدود الشجن.

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: âââ2â شخصاÙâØ Ùââأشخاص ÙÙÙÙÙâââ

وكنت قد كتب مقالات كثيرة عن الوضع المصري كان أخرها مناقشة الأساطير السلطوية، وقررت بعدها أن أتوقف عن تناول الشأن المصري؛ لأن الظرف المصري اليوم صعب، وكل كلمة تُكتب يمكن الحساب عليها بسوط غليظ. وفي العادة فإن العقل في تلك الظروف العصيبة يُشير إلى الهروب من الوقوع في المحظور، والابتعاد عن المخاطرة في تلك الأجواء العاصفة المليئة بالمحاذير والمعبأة بالشكوك.

ولكنى استمعت أخيرًا لتصريحات الرئيس عبد الفتاح في عدد من المناسبات المختلفة، وكان أبرزها لقاؤه بشبابه في المؤتمر المُسمى بمؤتمر الشباب (في حين أن أغلب المتحدثين فوق الأربعين)! اسأل الرئيس، المهم أن أهم ما قاله الرئيس كان:

  • أتمنى ألا أدع إجراءات صعبة لمن يخلفني لكي يتولى الأمور بعدي بشكل أفضل، فالدولة النجيبة هي التي تسعى لتغيير واقعها المؤلم إلى واقع أفضل، والبطل هنا ليس صانع القرار، البطل هو الشعب الذي يتحمل.
  • (أنا لو مأخدتش القرارات الصعبة لن يأخذها أحد غيري؛ لأني موش خايف الناس تنزل ضدي يقولوا لي (ارحل)، هقول لكم ساعتها سلام عليكم).
  • لن نُخرج موظفًا من جهاز الدولة قصرًا، رغم أنهم عمالة زائدة.
  • إنني أنتهز هذه الفرصة لأتحدث للأسرة المصرية بكل مكوناتها، ولكل فئات الشعب المصري، وأقول إننا لكي نكون دولة حقيقية ومتقدمة علينا أن نتألم ونقاسي فليس هناك من سبيل لكي نحقق ما نصبو إليه من أمال وتطلعات طموحة إلا العمل الجاد والمضنى.
  • يجب أن يكون هناك استقرار كبير في الدولة لجذب المزيد من السائحين الذين لن يأتوا بالتأكيد في ظل عدم وجود استقرار.
  • (يا ترى إيه الحكاية، إحنا رايحين على فين؟ يا ترى في استقرار حقيقي ولا لأ، طب يا ترى شكل الدولة المصرية بالقيادة الموجودة دي توجهاتها إيه؟).
  • وفى تعليقه على رفع أسعار المترو بعد أن قام محتجون بسبه قال: (أنا أحاسبكم، وإنتوا تحاسبوني، وأنا أقف قدامكم، وقدامه، ونتحاسب، والله، لأقف أمام الله سبحانه وتعالى وأقوله يا رب، بس أنا هسامح.. هسامح).
  • مهاتير محمد عنده 90 سنة وجابوه تانى بعد 20 عامًا.

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: ââشخص ÙاحدâØ ÙââبدÙØ©âââ

وإذا جاز لى استقراء الظواهر والغوص في أعماق الكلمات فإن:

  •  النظام المصري (رئاسة وحكومة وبرلمان) يستشعر نوع غريب من الوحدة والكآبة والخطر وهو مزيج معقد من المشاعر خصوصًا إذا لمسته أية مفاجأة غير منتظرة!
  • إن نبرة القوة في الحديث لا تعكس ثقة زائدة بقدر ما هي تعكس خوف من وقوع شيء ما.
  • إن النظام استشعر الخطر من قرارته الاقتصادية برفع الدعم نزولًا على طلبات صندوق النقد الدولي، تلك القرارات التي جمعت أعداءه صفًا واحدًا، وأكثرت رافضيه من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وفرقت محبيه شيعًا وقبائل.
  • إن الرجل يحاول طمأنة القطاع الأهم الرافض لأى تغيير (الموظفين)؛ لأن هذا القطاع آخر من يلتحق بأي تغيير ثوري لأنه يخاف على مكتسباته (مرتبه الشهري المضمون ومركزه)، ولذلك فالسيسي يحاول إبعاد تلك الفئة عن الكتلة الغاضبة والرافضة التي تتزايد كل يوم بطمأنتها على مواقعهم.
  • إن الرجل يُحب أن يُقدم نفسه دائمًا في صورة البطل المنقذ تارة بزى الجنرال العسكري الذى حمى الدولة من السقوط و الشعب من التشرد بسبب الإخوان، وتارة أخرى بزي السياسي المدني الذي حمى اقتصاد الدولة بفضل قراراته الصعبة من الإفلاس والمواطنين من الجوع! وهو في كلتا الحالتين غير عابئ بمركزه ومنصبه وزيرًا للدفاع بالأمس القريب أو رئيسًا للجمهورية حتى اليوم (هكذا يقول)!
  • الرجل لم يعُد لديه غير وصفة الصبر يقدمها للشعب لاحتمال حياته الصعبة الأليمة، ولكن ذلك الحل رهان غير مضمون النتائج على مجهول فظيع العواقب!

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: âشخص Ùاحدâ

  • الرجل رغم حديثه عن الاستقرار الموجود حاليًا، إلا أنه يعي جيدًا أن هذا الاستقرار من النوع الهش، وتلك أصعب الحالات، لأنها تُشبه المياه السائلة قبل درجة من الوصول لحالة التجمُد، يكون شكلها متجمد، ولكن بضغطة إصبع واحدة تكتشف أنها لا زالت سائلة. وسيظل الوضع كذلك في ظل الإجراءات الاقتصادية التي تضغط على الفقراء وتطحنهم تحت وطأتها.
  • الرجل غاضب من اعتراض الجماهير التي أبدته على رفع أسعار تذاكر المترو، وخصوصًا أنه مس بشخصه وبصورته كمحبوب ومعبود الشعب، وهو يرى أن الناس نسيت وتنكرت لما قدمه من تضحيات من أجلها.
  • وأخيرًا: الرجل يُلمح إلى أنه ليس عيبًا أن يبقى الحاكم في منصبة مدةً أطول مما يسمح له الدستور، والدليل مهاتير محمد!

وكانت تصريحات الرجل مع أفعال حكومته مليئة بالغموض ومُثيرة للقلق وموقظة للشك.

كان ذلك ما استخلصته من كلمات وتصريحات الرئيس . وأضيف أن متابعتي للرجل ولخطواته وسياساته وتحركاته استخلصت ملاحظات قد يكون لها دلالات ونتائج أوجزها في نقاط سريعة:

  • إن الرجل منذ توليه وهو ينفذ خطوات السيطرة على الدولة خطوة خطوة بشكل مَرِن. إن خطوات أي نظام للسيطرة على الدولة والمجتمع بصورة كاملة هي:
  1. السيطرة على شبكة المؤسسات التي تشكل الحكومة، مثل البرلمان و المجالس المنتخبة، وتعيين ضباط ذوي ثقة لذلك النظام في الوزارات والمؤسسات الرسمية الأخرى حتى مستوى مديري الادارات.
  2. السيطرة على النظام السياسي، وتم ذلك عن طريق فرض حالة الطوارئ واستعمال القوة المنظمة للدولة (الشرطة والجيش والمخابرات) وإضفاء الشرعية على قراراتها من خلال مؤسسات تم السيطرة عليها بأساليب مختلفة مثل (البرلمان، والقضاء)، ثم القضاء على كل أشكال القوى الرسمية الأخرى، كالتنظيمات السياسية والأحزاب، وتقديم بدائل لهم بخلق تنظيمات سياسية مطيعة للدولة مثل (تحيا مصر، وفي حب مصر).
  3. ثم السيطرة على مصادر القوة العددية، كالنقابات العمالية، والتنظيمات المهنية، حتى لا تتحول إلى منافسة للنظام. وذلك حدث، فمثلًا، مثلث الحريات الموجود في وسط القاهرة والمقصود به (نقابة الصحفيين ونقابة المحامين ونادي القضاة) قد تم السيطرة عليه فنقابة الصحافيين تم السيطرة عليها من خلال رجل من رجال النظام (عبد المحسن سلامة) ونقابة المحامين (تم تدجين نقيبها)،ونادى القضاة (تغيرت شخصيته فلم يعد كما كان في عصر مبارك من حيث الانحياز للحريات وللقانون).
  4. ثم السيطرة على جميع وسائل الإعلام وتشكيل الوعي (من قبل الأجهزة الأمنية)، وعلى فكر و قلم ولسان الإعلاميين والمثقفين والكتاب، وتبرير تلك الإجراءات بالمحافظة على الدولة من السقوط، وحتى لا نكون مثل (ليبيا أو سوريا أو العراق) وبناء على ذلك تم حجب أكثر من 500 موقع إلكتروني .
  5. ثم السيطرة على وسائل القوة والمكانة الاجتماعية والاقتصادية التي أساسها وسائل الملكية والإنتاج (وذلك يفسر الدور المتزايد للقوات المسلحة في النشاط الاقتصادي).
  • إن النظام الحالي يحاول تعديل عناصر التحالف الطبقي الذى نشأ منذ عام 1974. فالدولة كانت في مختلف المراحل التاريخية تُدافع عن مصالح الطبقة التي تنتمى اليها، فمنذ محمد على وحتى السيسي كانت الدولة تدافع عن مصالح الطبقة العُليا (الأغنياء) لأنها هي التي خلقتها و دعمتها، ثم أصبحت هذه الطبقة هي ظهيرًا ونصيرًا لها.

ولعل المتغير عن تلك ذلك التوجه كان عهد الزعيم جمال عبد الناصر الذى قام بإنهاء سيطرة الطبقة العليا على موارد مصر الاقتصادية، وقام برفع مستوى الطبقة الفقيرة لتصعد لمجال الطبقة المتوسطة. التي اعتمد عليها عبد الناصر.

أي أن النظام السياسي الناصري كان فاصل مؤقت بين النظام الملكي العلوى (من محمد على حتى فاروق) و النظام الرئاسي ودولة كامب ديفيد، (من السادات حتى السيسي).

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: ââشخص ÙاحدâØ ÙââÙÙطة ÙرÙبةâââ

  • إن السيسي يدرك أن التحالف الاجتماعي الذى نشأ منذ عصر السادات وحتى سقوط مبارك والذى كانت أهم سماته الجوهرية:
  1. إن هذا التحالف تكون من أبناء الطبقة الوسطى من العسكريين والمدنيين (التكنوقراط) الذين ظهروا واستفادوا من ثورة يوليو (تموز) 1952. (حسين سالم وأشرف مروان مثالًا).
  2. إن جزء من هذه التكوينة هم بقايا الطبقة العليا، والتي استطاعت خلال فترة ثورة يوليو الكمون حتى تهدأ العاصفة الثورية الناصرية، وأن تحافظ على ثرواتها، وحينما سنحت لها الفرصة مرة أخرى لتحقيق تراكمات رأسمالية اندفعت متعطشة واثقة في سياسات الرئيس المؤمن السادات وتجربته في الانفتاح، هؤلاء هم من أضرت ثورة يوليو مصالحهم السياسية والاقتصادية، ومن ثم كانوا من أكثر الحاقدين على الثورة. (عائلات الثروة في مصر اليوم، عائلة ساويرس مثال).
  3. أما الجناح الثالث داخل هذا التحالف فتمثل في الأغنياء الجدد الذين حققوا ثروات ضخمة من اخفاقات القطاع العام، وقد كانوا في غالبيتهم مهربين وتجار ومقاولين (عثمان أحمد عثمان، ورشاد عثمان مثال).

إن هذا التحالف يشترك في عدة أفكار أهمها:

  1. كراهية الثورة والثورات ورفض أي عملية إصلاح اجتماعي حقيقي.
  2. كراهية وتشويه ثورة يوليو وزعيمها جمال عبد الناصر.
  3. التبعية للغرب وخاصة للولايات المتحدة الأمريكية.
  4. رفضهم لفكرة الأصالة والتراث، وتشويهم لأي مبادئ ثابتة لدى الشعوب.
  • إن السيسي استغل الدور السيئ لبعض قيادات الطبقة الوسطى في فترات التوتر وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي لتفريغ قوة تلك الطبقة، حيث تظهر من بين صفوفها جماعات تستغل قدراتها القيادية تجاه الجماهير، لتحقيق بعض المكاسب السياسية والاجتماعية لبعض فئاتها. وكذلك بعض من الظهور والبروز لبعض قيادتها، وهي قيادات سرعان ما تنسلخ من انتماءاتها الطبقية وتهجر صفوف الطبقة المتوسطة وذلك لتحقيق طموحها الخفي في الصعود إلى مرتبة الأغنياء، وفي هذه الحالة تُضيف تراكمًا جديدًا إلى مسلسل الإحباط للطبقة التي أنجبتها، وتعتبر هذه الحركة هي قصة متكررة في حياة وتاريخ الطبقة المتوسطة في مصر (محمود بدر وعبد الحليم قنديل مثال).

تركت قلمي وتذكرت واقعة حدثت فى الستينات. في بداية سنة 1967 كانت الثورة المصرية تواصل الصعود على درجات السُلم، وإن بدا أثر الجهد على الخُطا. وكان هناك اختلاف اجتهادات على قمة السُلطة حول هذه النقطة بالذات: مواصلة الصعود وبأي سرعة، أو التوقف على بعض درجات السلم، أو نزول بعضها لالتقاط الأنفاس.

كانت وزارة السيد علي صبري (1962 – 1965) قد أشرفت بنجاح يستحق التقدير على تنفيذ خطة التنمية الأولى، وكانت عملية التصنيع التي أدارها الدكتور عزيز صدقي، وبناء السد العالي الذى أدار عملية بنائه المهندس صدقي سليمان، هما أبرز ملامح هذه الخطة، ولكن هذا الاندفاع إلى التنمية أحدث بالطبع آثاره التضخمية.

ورأى الزعيم جمال عبد الناصر أن هذا الاندفاع يحتاج إلى جهد في التدعيم ليسد الثغرات التي تركها وراءه، وهكذا كلف السيد زكريا محيي الدين (وهو يُعد الشخص الثالث في الدولة بعد عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، وكان الرجل ذا اتجاه يميني، ويميل أكثر لاقتصاد السوق، وهو صاحب مقولة: إننى لن أتردد في اتخاذ أي قرار مهمًا كان في صالح البلد. ثم يُتبع القول بالخبط على صدره والقول: أنا السُلطة. بتشكيل وزارة جديدة في سبتمبر (أيلول) 1965.

وسافر بعدها عبد الناصر في زيارة رسمية ليوغسلافيا (تيتو). وقامت الحكومة بعد سفره برفع سعر كيلو الأرز؛ مما أحدث غضبًا شعبيًا عارمًا. ولحسن الحظ أن تقارير السفير الأمريكي في القاهرة (باتل) عن الواقعة حاضرة وموجودة. وتسجل تقارير مرفوع من السفارة الأمريكية في القاهرة لوزارة الخارجية الأمريكية ما يلي:

حكومة محيي الدين الجديدة قامت برفع سعر الأرز، وهو الطعام المفضل لدى المصريين، والشارع غاضب، ولا يُعرف إن كان ناصر وافق على هذا الاجراء قبل سفره أم لا؟ ولكن المصريين البُسطاء ليس لديهم آمل إلا في ناصر، وهم يراهنون على أن ناصر فور عودته سينحاز لهم ضد حكومة محيي الدين ويلغي قرار صديقه. إنني لا أعرف من أين يستمد المصريون البسطاء تلك الثقة في ناصر؟

ويأتي تقرير ثاني:

المصريين لا زالوا غاضبين من قيام حكومة محيي الدين برفع أسعار بعض السلع الأساسية مثل الأرز، وقد طلبت الحكومة من الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب تبرير الزيادة، وتنشيط استعمال البدائل مثل المكرونة، ولكن ذلك لم يقض على تذمر المصريين. ولا زال المصريون يأملون في عبد الناصر!

ويأتي تقرير ثالث يقول:

نشرت جريدة الأهرام أن ناصر سيعود من سفره غدًا، والناس يكثفون تذمرهم وغضبهم ورفضهم لقرارات حكومة محيي الدين في تجمعاتهم وخصوصًا في القهاوي، لأنهم يعلمون بأن ما يقولونه يصل لناصر.
لا أعلم كيف سيفعلها ناصر وينتصر للبسطاء ضد صديقه وزميله ورئيس حكومته الذي عينه محيي الدين؟

ويعود عبد الناصر، ويمُر فور عودته على مكتبه ليرى إن كان هناك أي تقارير هامة تحتاج إلى توجيه، ويطلع على تقرير قياس الرأي العام، ويعرف أن الجماهير غير قابلة بقرار رفع الأسعار، ويلفت نظره واقعة في تقرير تقول:

إن الحكومة طلبت من الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب تبرير الزيادة، وتنشيط استعمال البدائل مثل المكرونة، وأن الناس في المدن السواحلية اعترضوا على ذلك الحل؛ لأن أغلبية أكلهم سمك، والسمك لا يُؤكل مع المكرونة. وكان تعليق أحد المسئولين على ذلك (إزاى السمك ميتكلش مع مكرونة؟ إذا كان السمك نفسه مكرونة!

وطلب عبد الناصر عقد اجتماع عاجل لمجلس الوزراء ثاني يوم وصوله. وعُقد الاجتماع، وظهر اختلاف الاجتهادات في الاجتماع:

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: âââ2â شخصاÙâØ ÙââبدÙØ©âââ

كان هناك اجتهاد من رئيس الوزراء زكريا محيي الدين مؤداه:

 إن الظروف تقتضى بعض الانكماش، وأن تلك أيضًا نصيحة من صندوق النقد والبنك الدولي، وأضاف محيي الدين: بأن الفلاح المصري قبل ثورة يوليو عاش بجلباب واحد، ولكنه بعد الثورة أصبح يعيش بجلبابين وثلاثة، وليست هناك مشكلة أن يعود للجلباب الواحد مرة أخرى لسنة أو سنتين بضرورة التنمية.

واستمع الرئيس عبد الناصر لجميع الحاضرين من الوزراء، وفي نهاية الاجتماع عقب عبد الناصر على الجميع قائلًا:

إننا نأخذ بتجربة اشتراكية، وقد نواجه بعض المشاكل، ولكننا لا نستطيع إزاء هذه المشاكل أن نجيء بقمة الرأسمالية العالمية ممثلة في الصندوق والبنك الدولي ونطلُب منها المشورة في حل تجربة نمو اشتراكي.

ثم خاطب عبد الناصر زكريا محيي الدين:

يا زكريا لو مشينا وراء نصائح البنك والصندوق الناس موش هتلاقى تأكل، ولو كنا هنمشى وراء نصايحهم كان لزمتها إيه كل المواجهات السابقة معاهم؟

وأضاف عبد الناصر:

إننى أسلم أن الاقتصاد في الفترة السابقة كان زائد السخونة بسبب الإسراع في عمليات التنفيذ، ونحن الآن نحتاج إلى عملية تدعيم للخطوط قد تفرض علينا إعادة نظر في بعض مشروعات الخطة الجديدة، ولكن هناك أشياء لا تقبل إعادة النظر في رأيي وأهمها إصلاح واستزراع الأراضي الجديدة لكي تُستعمل مياه السد العالي، وإلا تحول هذا السد إلى هرم جديد، وليس أكثر!

ويكمل عبد الناصر:

ثم إننا لا بد وأن نركز على الصناعات الثقيلة، وإلا زاد علينا عبء الاستيراد، فضلًا عن إهدار إمكانيات وموارد يمكن استغلالها.

ويستطرد عبد ناصر:

أنا على استعداد لأن أقبل مضاعفة الدخل في 12 سنة بدلًا عن 10 سنوات. وأستطيع أيضًا أن أقبل إعطاء سنة من السُلطة المطلقة للمنفذين في كل المجالات. وأستطيع أن أقبل وجهة نظر الدكتور القيسوني عن وجود ظواهر تضخمية (بنسبة 8%) لا بد من امتصاصها، ولكن امتصاصها لا يمكن أن يتم كله في عام واحد؛ لأنه سوف يجعل الحياة مستحيلة على الناس.

ثم قال عبد الناصر موجهًا حديثه للدكتور (عبد المنعم القيسوني):

إننى ألاحظ أن الدكتور لبيب شقير (وزير التخطيط) يأخذ اتجاهًا متطرفًا في القبول بالتضخم ما دام ظهوره نتيجة لأعباء التنمية والإنتاج، وليس نتيجة إسراف أو استهلاك، ثم أجدك بدورك تتخذ موقفًا متطرفًا على الناحية الأخرى، وأنا أخشى من المواقف المتطرفة مهمًا كان اتجاهها؛ لأنه بهذه الطريقة يمكن أن تضيع الحقيقة.

وكان قرار عبد الناصر النهائي في موضوع الزيادات: إلغاء قرار الزيادة، وأكمل: نقف على درجات السلم نعم، ولكن لا ننزل على السلم درجة.

ويعاود السفير الأمريكي باتل الكتابة للخارجية الأمريكية قائلًا:

لقد ألغى ناصر قرارات حكومة محيي الدين، وربح البسطاء رهانهم، لقد أثبت ناصر أنه ملاكهم الحارس.

قُلتُ لنفسي بعدها: ما الذي تغير؟ أين الثابت وأين المتغير؟

  • ووجدت أن الثابت بالأمس واليوم أن نفس فكر السيد زكريا محيي الدين اليوم، ولم يعُد فقط مقصورًا على وزير اقتصاد (كالقيسوني) ولا حتى رئيس الوزراء نفسه (من محيي الدين لشريف إسماعيل)، ولكنه امتد إلى رئاسة الجمهورية!
  • أما المُتغير: أن جمال عبد الناصر لم يعُد موجودًا ليسمع أنين البسطاء ويشعر بمعاناتهم ويدافع عن حقوقهم حتى ولو في وجه صديقه ورئيس وزرائه زكريا محيي الدين.

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: âââ2â شخصاÙâØ ÙââÙÙطة ÙرÙبةâââ

وفي كل الأحوال فإن الحقائق الواضحة اليوم أمام الجميع لا تفتح باب للاجتهاد أو نافذة لتبرير (من سلطات رسمية أو لجان إلكترونية) للوضع السيئ الذي تعيشه مصر اليوم، إن هناك أجواءً أصبحت مشحونة بالغضب ومعبأة بالسخط.

وهناك مناخ تحفزت فيه عوامل الثورة، والانفلات والانفجار.

وأخيرًا تثور أسئلة ولا أحد يعرف الإجابة عليها، فمثلًا:

من منا يمكن أن يعرف أين يقع الانفجار القادم؟ وما هي حسابات قدومه، هل يُحسب بالساعات أم بالأيام أم بالشهور؟ إن كل ما يمكن حسابه من الآن هو أن انفجارًا سوف يقع، ولكن متى يقع؟ وأين يقع؟ ومن يقوم به؟ وكيف؟ كلها مجهولات محجوبة بالكتمان، وهنا القلق المستبد، والخوف من آفاق يطويها الضباب بين جنباته.

ربÙا تحتÙ٠اÙصÙرة عÙÙ: ââââشخص أ٠أÙثرâØ Ùââأشخاص ÙÙÙÙÙâØ ÙâسÙاءâââ ÙâÙشاطات Ù٠أÙاÙÙ ÙÙتÙحةâââ

والسؤال الأهم المطروح: إلى متى يمكن أن يدوم هذا كله؟ إلى متى؟!