"شركة بي.بي البريطانية تحقق ثالث اكتشاف للغاز بمصر".. "حقل (نورس) طوق النجاة لمصر من أزمة الغاز الطبيعي".. "حقول البحر المتوسط كفيلة بتحويل مصر لمركز إقليمي للطاقة"؛ هذه التصريحات لمسؤولين مصريين حول اكتشافات الغاز المتتالية في مصر، فلماذا إذا تشتري مصر الغاز من إسرائيل؟

فبالتزامن مع إعلان مجموعة "بي.بي" البريطانية، الأحد، اكتشاف حقل ضخم للغاز الطبيعي في مصر، وصل وفد إسرائيلي للقاهرة لاستكمال مفاوضات تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر، ما أثار تساؤل مراقبين.

وأبرمت مجموعة "تمار" الإسرائيلية وشركة "دولفينز" المصرية، الشهر الجاري، صفقة لتوريد الغاز الإسرائيلي لمصر، بقيمة 20 مليار دولار لمدة 15 عاما، وسط انتقادات لسعر الغاز في الصفقة، والذي يبلغ نحو ثمانية دولارات للمليون وحدة حرارية، في حين أن السعر العالمي أقل من ثلاثة دولارات، حسب مختصين.

وكانت مصر تصدّر الغاز في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك؛ لإسرائيل بـ 70 سنتا للمليون وحدة حرارية، في الوقت الذي كانت فيه تكلفة إنتاجه تصل إلى 2.65 دولار.

اكتشافات الغاز

وحققت مصر 10 اكتشافات للغاز خلال العامين الماضيين، لشركات "شل" الهولندية، و"إينى" الإيطالية، و"بى بى" البريطانية؛ وضعتها بين الدول المنتجة للغاز.

حقول دمياط

وأعلنت شركة "بي.بي"، الأحد، اكتشاف جديد للغاز الطبيعي؛ هو الثالث للشركة بمنطقة امتياز شمال دمياط البحرية بشرق الدلتا، بعد كشف حقلي "أتول" و"سلامات"، بنفس المنطقة، مشيرة لاستمرار أعمال التنقيب ببئر "القطامية الضحلة­1".

وأكد بوب دادلى، الرئيس التنفيذي للمجموعة البريطانية: "إن دلتا النيل بها حوض غاز من الطراز العالمي".

"النورس العظيمة"

وفي كشف اعتبره المصريون؛ طوق النجاة من أزمة الغاز، أعلنت "إيني" الإيطالية و"بريتش بتروليوم" في حزيران/ يونيو 2016، عن اكتشاف حقل غاز جديد ضخم جنوب بلطيم، شرق دلتا النيل، ضمن "منطقة النورس العظيمة"، التي بدأت بكشف حقل "نورس" في تموز/ يوليو 2015.

و"منطقة النورس العظيمة"، بها سبعة آبار، ويتراوح حجم الاحتياطيات فيها ما بين 1.5 تريليون إلى تريليوني قدم مكعب غاز، فيما بلغ الإنتاج اليومى من الحقل 320 مليون قدم مكعب، و3200 برميل من المتكثفات، في أيار/ مايو 2016.

"ظُهر" الكشف الأهم

وفي كشف هو الأكبر في البحر المتوسط، والعشرين بين أكبر اكتشافات الغاز في العالم، أعلنت شركة "إيني" الإيطالية، في أيلول/ سبتمبر 2015، عن اكتشاف حقل  "ظُهر"، الذي تبلغ احتياطياته نحو 30 تريليون قدم مكعب، في البحر المتوسط، قرب مدينة بورسعيد، ومن المتوقع أن يبدأ الإنتاج منه مطلع عام 2018.

وأكد محمد المصري، رئيس شركة "إيجاس"، بعد كشف حقل "ظُهر"؛ أن "حقول البحر المتوسط كفيلة بتحويل مصر لمركز إقليمي للطاقة".

احتياطيات مصر

وأكدت شركة "شل" الهولندية، ارتفاع احتياطيات مصر من الاكتشافات العملاقة بمنطقة امتياز بالصحراء الغربية، بـ40 تريليون قدم مكعب، حسب تحقيق للشركة في تشرين الأول/ أكتوبر 2016.

وكان شريف إسماعيل، وزير البترول السابق ورئيس وزراء مصر الحالي، قد قال لوكالة "رويترز" في 30‏ آب/ أغسطس 2015، إن "الاحتياطيات المصرية تصل لنحو 90 تريليون قدم مكعب من الغاز، لكن هذا رقم تقديري وليس رسميا".

وأكد وزير البترول، طارق الملا، في 19 شباط/ فبراير الماضي، أن "صورة قطاع الطاقة ستختلف بعد سنة، مع دخول 65 اتفاقية أبرمتها مصر حيز التنفيذ في البحر المتوسط ودلتا النيل والصحراء الغربية"، وفق قوله.

مفارقة غريبة

ويرى خبراء ومحللون أن توقيع اتفاقية استيراد الغاز الإسرائيلي؛ ليست في صالح مصر، خاصة وأن الحقول المكتشفة ستدخل الخدمة قبل انتهاء العقد بفترة زمنية طويلة.

وأشار الخبير الاقتصادي، مصطفى عبد السلام، إلى ما اعتبره مفارقة غريبة بإعلان "بي.بي" البريطانية، اكتشاف حقل ضخم للغاز في مصر، بالتزامن مع وصول وفد إسرائيلي للقاهرة لاستكمال مفاوضات تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر.

واستنكر عبد السلام، عبر صفحته في "فيسبوك"، أن تقوم مصر رغم تلك الاكتشافات المتتالية؛ باستيراد الغاز من إسرائيل بأسعار مبالغ فيها، تزيد بنحو 60 في المئة عن الأسعار العالمية، وبقيمة 20 مليار دولار، ولمدة 15 سنة، مشيرا إلى أن مصر مع تلك الاكتشافات لن تحتاج إلى استيراد الغاز لهذه المدة الطويلة.

"فنكوش" كغيره

‏لكن في المقابل، يصف أستاذ الاقتصاد المصري، الدكتور مجدي ماجد، كشف الغاز الجديد بأنه "فنكوش" (تعبير مصري يستخدم للإشارة إلى كل وعد لا يتحقق).

وقال ماجد لـ"عربي21": "اعتاد النظام منذ تولي السيسي الحكم؛ الإعلان على فترات عن اكتشافات عالمية للغاز وباحتياطيات كبيرة"، مشيرا إلى أن "الحقل المكتشف حديثا في دمياط؛ مثله مثل بقية الاكتشافات التي تم الإعلان عنها لمجرد الدعاية للنظام".

وأكد ماجد أن "الفرقعات الإعلامية" المتتابعة لاكتشافات الغاز، مثلها مثل مشروع قناة السويس الجديدة، ومؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، ورأى أن الشركات الأجنبية العاملة في مصر تستفيد هي الأخرى من حجم الدعاية المصاحبة لاكتشافات الغاز.

وأضاف ماجد لـ"عربي21": "لو أن تلك الاكتشافات حقيقية، لما احتاجت مصر لاستيراد الغاز من إسرائيل، ولما تواجد الوفد الإسرائيلي بالقاهرة لتوقيع الاتفاقية".

وتابع: "لو أن تلك الاكتشافات بحجم الدعاية، لما انسحبت شركة "إيني" الإيطالية من العمل في مصر، وبيع حصتها في حقل غاز ظُهر، الأكبر في البحر المتوسط".

وقررت "إيني" الإيطالية الانسحاب من السوق المصرية في أذار/ مارس 2017، وهو ما أرجعه محللون لحالة التوتر بين مصر وإيطاليا، إثر مقتل الطالب الإيطالي، جوليو ريجيني، في القاهرة العام الماضي.

وشكك ماجد في حقيقة ما يتم إعلانه من قبل النظام حول أرقام الاستهلاك والإنتاج والاحتياطي الحقيقي للغاز المصري، معربا عن اعتقاده بأن "المعلومات المتاحة حاليا غير حقيقية"، على حد وصفه.

الأمن القومي المصري

ويرى المحلل الاقتصادي علاء البحار أن الصفقة ليست في صالح مصر؛ لأن سعر الوحدة الحرارية ثمانية دولارات حسب الاتفاق المبدئي، في حين أن السعر العالمي لا يتجاوز ثلاثة دولارات.

وأكد البحار لـ"عربي21" أن "هناك خطرا على الأمن القومي المصري بأن تبقى الطاقة بيد إسرائيل العدو التقليدي لمصر"، مشيرا لخسائر البلاد واستنزاف مواردها من النقد الأجنبي، باستيرادها الغاز بعدما كانت تصدره.

وأشار البحار إلى أن هناك شبهة إهدار للمال العام يرتكبها النظام؛ حيث كان يمكن الاكتفاء باستيراد كميات لمدة عامين حتى بدء الإنتاج في حقل ظهر، وفق تقديره.