أعلنت السعودية موازنتها العامة الجديدة، التي تزامن معها الإعلان عن خطط حكومية لرفع أسعار الطاقة والمياه تدريجيا لتصل للمستوى العالمي بحدود 2020، إضافة لحزمة من الضرائب، إلى جانب رسوم على العمالة الأجنبية في البلاد، لدعم إيرادات الدولة في ظل تراجع أسعار النفط المصدر الرئيس للدخل.

وتوافقت آراء اقتصاديين سعوديين، على أن الخطط الجديدة للحكومة السعودية ستجذب استثمارات أجنبية كبيرة، بفضل القطاعات الحيوية، المزمع خصخصتها، لكنهم توقعوا ارتفاعا في تكاليف المعيشة للبلاد، يقابله صعود في مستويات الدخل للمواطنين والأجانب معا، كما هو الحال في الدول الكبرى.

وقال الكاتب الاقتصادي السعودي محمد العنقري، إن القدرة الشرائية للمواطنين والمقيمين في السعودية ستتأثر بسبب تراجع النمو الاقتصادي، خاصة قطاع التجزئة الذي تأثر بتراجع النمو إلى 1.4% خلال 2016.

وتباطأ نمو الاقتصاد السعودية إلى 1.4% في 2016، مقارنة مع 3.5% في 2015.

ارتفاع تكلفة المعيشة

وأضاف "العنقري" أن القدرة الشرائية ستنخفض مع ارتفاع تكاليف المعيشة بسبب رفع أسعار الطاقة والمياه لكن تعويض المواطنين بمقابل مادي، سيخفف الأثر وقد يجعله إيجابيا في حال تم ترشيد الاستهلاك.

وبلغ معدل التضخم في السعودية 3.4% خلال 2016، مقابل 2.2% في 2015.

وتوقع العنقري ارتفاع معدل البطالة، لنفس سبب تباطؤ النمو الاقتصادي وهو ما حدث فعليا خلال ارتفاعه في الربع الثالث 2016 إلى 12.1% مقارنة بـ 11.5% في الربع الثاني.

ويرى أن تفاصيل الموازنة ستجذب استثمارا أجنبيا، "على الرغم من تباطؤ النمو الاقتصادي نظرا للفرص الاستثمارية الكبيرة في قطاعات حيوية مزمع طرحها ضمن برنامج الخصخصة، خاصة في ظل إجراءات برنامج التوازن المالي الهادفة لدعم سعر الصرف وجذب الاستثمارات".

رؤية 2030

وأعلنت السعودية في 25 أبريل/نيسان الماضي، رؤية 2030 التي تهدف لخفض الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للدخل.

وتضمنت الرؤية خصخصة العديد من القطاعات الحيوية في البلاد، بينها طرح 5% من شركة أرامكو، أكبر شركة نفط في العالم، للاكتتاب العام في 2018، إضافة لرفع أصول صندوق الاستثمارات العامة إلى تريليوني دولار، ليصبح أكبر صندوق سيادي في العالم.

رسوم المقيمين

وذكر العنقري أن المواطن والأجنبي الكفؤ سيستفيدان من فرض مقابل مالي على العمالة الأجنبية ومرافقيهم، "سيخرج من السوق من رواتبهم متدنية وكانت تضر برواتب السعوديين والأجانب من الكفاءات".

واعتبارا من تموز/يوليو 2017، ستبدأ السعودية بتحصيل مقابل مالي قيمته 100 ريال (26.7 دولارا) شهريا على كل مرفق للأجنبي العامل في البلاد، تزيد إلى 200 ريال (53.3 دولارا) في 2018، وإلى 300 ريال (80 دولارا) في 2019، وإلى 400 ريال (106.7 دولارات) شهريا في 2020، وفقا لبرنامج التوازن المالي المعلن عنه بالتزامن مع موازنة 2017.

وبحسب أحدث بيانات لهيئة الإحصاء السعودية، يبلغ عدد السكان في البلاد 31.7 مليون نسمة، 11.7 منهم أجانب (37%)، فيما 20 مليون سعوديين (67%).

وذكر أن المقابل المالي على المرافقين للأجانب لن يكون له أثر كبير، "خاصة وأن 70 إلى 80% من الأجانب في السعودية بدون عائلاتهم".

إجراءات إصلاحية

من جهته، قال الكاتب الاقتصادي السعودي والرئيس التنفيذي لشركة أماك للاستثمارات، محمد العمران، أن القدرة الشرائية للسكان في السعودية ستتأثر بالنمو الاقتصادي المتوقع ارتفاعه إيجابا، في ظل الإجراءات الإصلاحية في البلاد.

وأضاف أن معدل التضخم سيرتفع اعتبارا من 2018 و2019 "وعندها ستتآكل القوة الشرائية نسبيا، في قطاعات مستهدفة.. الهدف الأساسي من رفع أسعار الطاقة والمياه المزمع هو ترشيد الإستهلاك العشوائي حاليا".

وقال: "المواطن قد يستفيد في المحصلة النهائية بعد رفع الأسعار مقابل الدعم النقدي في حال قام بترشيد الاستهلاك، لكن الأجانب سيتأثرون سلبا من رفع الأسعار والمقابل المالي على مرافقيهم".

واستبعد تغيرات جوهرية في معدل البطالة خلال 2017، لكنه توقع تحسنها اعتبارا من عامي 2018 و2019.

دعم المواطنين

وأوضح رئيس قسم الأبحاث في شركة الاستثمار كابيتال، مازن السديري، أن موازنة 2017 وإجراءات رفع أسعار الطاقة والمياه والضرائب المزمع فرضها، سيكون أثرها متعادلا على القدرة الشرائية للسكان، حيث سترتفع تكاليف المعيشة بينما في مقابلها دعم نقدي للمواطنين.

وتوقع في اتصال هاتفي مع "الأناضول"، عدم تأثر معدل البطالة كونه سيتم توظيف أعلى للسعوديين في المقابل دخول خريجين جدد لسوق العمل.

ويرى السديري أن جذب الاستثمارات الأجنبية يحتاج وقت لمعرفة مدى جاذبيتها، بعد أن تقوم الحكومة بتقييم الأصول التي ستطرحها للخصخصة.

وبحسب وثيقة برنامج التوازن المالي، تنوي السعودية رفع أسعار الطاقة والمياه تدريجيا لتصل للمعدل العالمي في 2020.

وأظهرت الوثيقة أن إجمالي الوفر الذي يمكن أن تحققه الدولة خلال عام 2020 جراء رفع أسعار الطاقة (وقود وكهرباء)، والمياه تبلغ 209 مليارات ريال (55.7 مليار دولار)، فيما وفرت 6.9 مليارات دولار في 2016.

وتبيع السعودية أكبر مُصدر للنفط في العالم، الوقود حاليا بأسعار موحدة لكافة المواطنين والأجانب دون تفرقة في الأسعار.

تراجع الإيرادات

وتعاني السعودية، في الوقت الراهن من تراجع حاد في إيراداتها المالية، الناتجة عن تراجع أسعار النفط الخام عما كان عليه عام 2014.

وأعلنت السعودية، الخميس الماضي، موازنة 2017 بإجمالي نفقات تبلغ 890 مليار ريال (237.3 مليار دولار)، مقابل إيرادات قيمتها 692 مليار ريال (184.5 مليار دولار)، بعجز مُقدر قيمته 198 مليار ريال (52.8 مليار دولار).

وبلغ العجز في ميزانية 2016 نحو 297 مليار ريال (79.2 مليار دولار)، بعد تسجيل إيرادات بـ 528 مليار ريال (140.8 مليار دولار)، مقابل نفقات بـ825 مليار ريال (220 مليار دولار).

وارتفع الدين العام للسعودية إلى 316.5 مليار ريال (84.4 مليار دولار) بنهاية 2016، تشكل 12.3% من الناتج المحلي بالأسعار الثابتة، مقارنة بـ 142.2 مليار ريال (قرابة 38 مليار دولار)، العام الماضي.

وتوزعت الديون بين 103.1 مليارات ريال (27.5 مليار دولار) ديون خارجية، فيما 213.4 مليار ريال (56.9 مليار دولار) ديون محلية.

ووفقا لوثيقة "التوازن المالي" ستفرض السعودية في الربع الثاني 2017، ضريبة السلع المنتقاة الخاصّة بالمنتجات التي تتسبب في أضرار على الصحة كمشتقات التبغ، بنسبة 100% ونفس النسبة على مشروبات الطاقة، وضريبة 50% على المشروبات الغازية.

فيما ستفرض السعودية ودول الخليج، ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% على جميع المنتجات والخدمات، باستثناء 100 سلعة أساسية، في الربع الأول من عام 2018.