تبدو خارطة الفقر آخذة بالاتساع في لبنان في ظل استفحال الأزمات المعيشية والاقتصادية التي تهدد باضطراب مجتمعي، وسط تنامي الغضب بشكل غير مسبوق في البلاد.

 

ويعاني لبنان من غياب سلطة الدولة الرقابية وانفلات الأسواق، وسط ارتفاعات قياسية في المواد الاستهلاكية، بالتزامن مع ققزات غير مسبوقة لسعر صرف الدولار مقابل الليرة، حيث تجاوزت قيمته في بعض الأحيان حاجز 4600 ليرة، وهو ما أفقد موظفي القطاع العام تحديدا الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية القدرة على تأمين قوت عائلاتهم اليومي.

 

ويأتي كل ذلك أيضا وسط الغلاء المتصاعد، إلى جانب تأثر شرائح واسعة من موظفي القطاع الخاص للأسباب ذاتها، وأيضا لتسريح الكثيرين منهم مع بروز جانحة كورونا، وتوقف عجلة العمل في العديد من المؤسسات والشركات.

 

 لبنان يواجه أزمة غذاء.. ورئيس الحكومة: قد لا نجد ثمن الخبز

ويبدو شمال لبنان المنطقة الأكثر تضررا، وسط حديث عن ارتفاع مستوى البطالة إلى مستوى قياسي، غير أن المناطق كافة تعيش الواقع ذاته، وهو الحرمان المتصاعد والترقب والحذر والغضب من طبقة سياسية، يراها الحراك الشعبي سببا ومسببا للأزمات كافة.


وعلى الرغم من نفحات التفاؤل التي تبثها الحكومة، إلا أن رئيسها حسان دياب لم يهرب من واقع الأزمة وتحدث، الخميس، خلال مقال له في صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، عن أزمة غذائية كبرى تنتظر لبنان ومردها تردي الأوضاع في البلاد، وإغلاق بعض الدول ومنها أوكرانيا وروسيا صادراتها الخارجية، من ثم إيقاف تصدير القمح، حفاظا على الاكتفاء الذاتي في ظل جائحة "كورونا".

ذاكرة الحرب


ورفض الناشط السياسي والقيادي السابق في حزب الانتماء الدكتور علي مهنا الحديث عن انهيار وشيك للبنان، وقال في تصريحات لـ"عربي21": "يمتلك لبنان مجموعة من الدول الصديقة التي أعتقد بأنها لن تدعه يغرق في بحر الأزمات، أو أن يتجه إلى تصادم داخلي على غرار ما حدث إبان الحرب الأهلية اللبنانية، حيث عمت الفوضى والخراب البلاد، وكانت عنوانا بارزا لهذه الفترة الأليمة التي مر بها اللبنانيون".

 

وأضاف أن الحرب الأهلية "تركت في الشعب اللبناني آثارا لا تزال مستمرة لغاية الآن، لأن الحوادث الكبرى لا تمحى بسهولة من ذاكرة من كابدها وعايشها لفترة طويلة، وهناك من فقد خلالها محبين وأصيب بفعلها بنكسات حياتية ومعيشية".


واعتبر أن الذريعة الدولية التي يتم الترويج إليها داخليا، وهي سيطرة حزب الله على الدولة ومقدراتها وتوجيه سياساتها "أمر مبالغ فيه، ولا يرتبط جوهريا بعمق الأزمة التي أصابت لبنان سابقا، واستفحلت في الآونة الأخيرة، لا سيما من خلال منطق المحاصصة الذي ولد فسادا استشرى، وبات يصعب إيقافه، إلا بإجراءات صارمة يتفق عليها جميع الساسة اللبنانيين".


وطالب مهنا بضرورة إيجاد مخرج عقلاني ومجد للأزمة، لأن الطرق على مسألة "سلاح حزب الله بحسب ما يطلبه المجتمع الغربي، يعد أمرا مستحيلا قياسا إلى الواقع السياسي الحالي في البلاد، ولعدم توفر إمكانية تطبيقه في ظل التناحرات والمناكفات السياسية".

الطائفية والطبقة السياسية

 

وأبدى الكاتب والمحلل السياسي جورج علم، تشاؤمه حيال الوضع الراهن في لبنان، وقال في تصريحات لـ"عربي21": "لا يمتلك لبنان رجال دولة يتحلون بحس المسؤولية، بل هم أنفسهم تورطوا بالفساد والنهب لمقدرات الدولة، مستخدمين المذهبية والطائفية وسيلة لتحقيق مآربهم".

 

وأضاف: "فيما استخدم أغلبهم حالة حزب الله وما يمتلكه من سلاح ودويلة داخل الدولة اللبنانية لبناء اقطاعياتهم المذهبية والطائفية"، مؤكدا أن "الخاسر الأول هو لبنان بدولته ومؤسساته ورسالاته، وبات مصيره مجهولا بعد قرابة مئة عام على تأسيس دولة لبنان الكبير".


وحذر من "حروب جديدة أو تدخل دولي من خلال حماية دولية، سيكون لصندوق النقد الدولي دور رئيسي فيها".

 

 اتهامات لصرافين وبنوك بلبنان بتهريب دولارات للخارج

واستغرب من دعوة رئيس حزب الكتائب سامي الجميل وقيادات أخرى في الحراك الشعبي لإجراء انتخابات نيابية مبكرة، "لكونها مسرحية فاشلة ذات غايات خاصة"، وفق قوله.

 

وأضاف، "إنها لن تحدث تغييرا في الطبقة السياسية الحالية حتى بعد تعديل قانون الانتخاب الحالي"، مشيرا إلى أن "القيادات ستفرز نفسها من جديد بعد أي انتخابات مبكرة، وربما بوجوه نيابية بعضها مختلف، بيد أن الهيمنة ستبقى للقيادات نفسها".

 

وأوضح: "لا يمكن تَصوّر مجلس نيابي من دون سعد الحريري أو وليد جنبلاط أو سمير جعجع أو جبران باسيل..إلخ"، لافتا إلى أن "الطبقة السياسية مطمئنة لوضعها، ولن تغامر في أيّ خطوة تغييرية جدية".