شكل مسار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، منذ ظهور نتائج الاستفتاء عليه، مساء الـ23 من حزيران/ يونيو 2016، اختبارا صعبا لبروكسل، لا سيما جراء تحفيزه لتلك النزعة في العديد من الدول الأعضاء الأخرى.

ورغم انتهاء ذلك المسار الشاق أخيرا بخروج لندن من الاتحاد، نهاية كانون الثاني/ يناير الماضي، إلا أن بريطانيا تواصل اختبار تماسك التكتل الأوروبي، من خلال التحديات التي تفرضها المفاوضات معها على اتفاق جديد، يرسم ملامح العلاقات التجارية بين الجانبين.

ويشير تقرير لمعهد "أكسفورد أناليتيكا"، ترجمته "عربي21"، إلى أن أبرز تلك التحديات يتمحور حول تباين المصالح التي تجمع كل دولة أوروبية على حدة مع بريطانيا.

إضافة إلى ذلك، يميل الميزان التجاري لصالح أغلب الدول الأعضاء، أمام بريطانيا، ما يجعل التوصل للاتفاق سريعا أمرا ملحا بالنسبة لها، بحسب التقرير.

في المقابل، توقع التقرير أن يحافظ الاتحاد على تماسكه في المفاوضات، وأن يكلف المفوضية الأوروبية بالمهمة بشكل كامل، وهو ما قد يتغير في حال لعبت لندن على وتر الأولويات الخاصة بكل دولة أو مجموعة دول.

وتظهر الخريطة الدول الأعضاء التي يميل الميزان التجاري لصالحها، أمام بريطانيا (الأزرق)، وتلك التي تشكل وارداتها من المملكة المتحدة أكثر من صادراتها إليها (الأحمر).



 

ويوضح الشكل، إلى يسار الخريطة، القطاعات الأكثر أهمية بالنسبة لكل دولة عضو على حدة.

ويعد قطاع الأمن والدفاع الأكثر إلحاحا بالنسبة لقبرص والسويد ودول البلطيق (لاتفيا وإستونيا وليتوانيا)، التي تعتبر أنها عرضة لتهديدات روسية، فضلا عن بولندا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال.

 

 تركيا: "بريكست" يخلق فرصا لتعزيز العلاقات مع بريطانيا

وتقع بلجيكا، التي تعد عاصمتها بروكسل مركزا للاتحاد، على تقاطع العديد من الملفات في العلاقة مع لندن، إذ إنها من أكثر الدول الأوروبية اعتمادا على السوق البريطانية، فضلا عن اشتراك قطاع صيد الأسماك في البلدين بمساحات واسعة من بحر الشمال.

أما بالنسبة لألمانيا وفرنسا، أكبر اقتصادين في الاتحاد، فإن ما يهمهما هو التأسيس لقواعد لعبة تجارية مناسبة بشكل عام، لكن باريس مهتمة بشكل خاص بقضية الصيد، التي دفعت الرئيس إيمانويل ماكرون، مؤخرا، لإجراء زيارة إلى صيادين وعاملين في هذا القطاع لطمأنتهم.

في المقابل، تهتم برلين بشكل خاص بترتيبات تبادل البضائع، إذ تعتمد على السوق البريطانية أكثر من باريس، لا سيما في قطاع السيارات، الذي يعد حيويا بالنسبة للاقتصاد الألماني.

الجدول الزمني للمفاوضات

وبحسب التقرير، فإن مسار المفاوضات التجارية بين الجانبين يبدأ رسميا الخميس المقبل (3 آذار/ مارس)، فيما سيقوم قادة الاتحاد بتقييم سير المحادثات في 26 و27 من الشهر ذاته، ومجددا في 18 و19 من حزيران/ يونيو، قبل اتخاذ قرار بتمديد الفترة الانتقالية من عدمه، في موعد أقصاه الـ30 من الشهر ذاته.

وبحسب الجدول الزمني للمفاوضات، فإن الجانبين يأملان بالتوصل إلى اتفاق بشأن قطاع الصيد والخدمات المالية في تموز/ يوليو.

وفي منتصف تشرين الأول، سيعقد الاتحاد قمة جديدة، يتوقع أن ينظر إليها بعض القادة كموعد نهائي، لتجنب التمديد في اللحظات الأخيرة، فيما سينظر البرلمان الأوروبي بالاتفاق للمصادقة عليه قبل الموعد النهائي، المقرر مع نهاية العام.

وفي حال لم يتوصل الجانبان إلى اتفاق كامل، أو تمديد المفاوضات، فإنه سيتم تطبيق قواعد منظمة التجارة العالمية بشأنها.

وتوقع التقرير أن تسعى بريطانيا للبحث عن سبل لتعزيز وصولها إلى سوق إيرلندا الشمالية، وهو ما ستعتبره بروكسل محاولة للالتفاف على اتفاق بريكست، لتذهب نحو تبني مواقف أكثر صرامة في المفاوضات التجارية، ومن ثم تعقيد فرص التوصل إلى صيغة متفق عليها، واللجوء إلى تمديد الفترة الانتقالية، وهو ما سينعكس سلبا بشكل خاص على العلاقات الأمنية والعسكرية العميقة بين الجانبين.

وكان ماكرون قد قال في تصريحات خلال الزيارة المشار إليها إنه "غير واثق" من إمكان التوصل لاتفاق تجاري بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا حتى نهاية العام الجاري.

وتوقع الرئيس الفرنسي أن تكون المفاوضات صعبة للغاية، جراء "تشدد البريطانيين"، بحسبه.

وتسابق لندن الزمن لعقد اتفاقيات وشراكات تجارية مع أطراف دولية مختلفة، للتقليل من وطأة "بريكست" على اقتصادها، ولمنحها هامشا أكبر للمناورة مع الأوروبيين.