تكبدت كبريات المدارس الدولية في مصر زيادات كبيرة في التكاليف بسبب تعويم الجنيه عام 2016 ومناخ الاقتصاد الكلي المتقلب، خاصة المدارس التي أغلب معلميها من الأجانب، والذين يحصلون على رواتبهم بالعملة الصعبة.

 

وقد أدى ذلك إلى اتخاذ قرارات معقدة وصعبة في بعض الأحيان بشأن ما إذا كان ينبغي الاستمرار في دفع أجور المعلمين الأجانب بالعملة الأجنبية الدولية، وكيفية الحفاظ على تقديم عدد كبير من المزايا ليظلوا قادرين على المنافسة في سوق العمل العالمي.

 

علاوة على ذلك، تحتاج المدارس أيضا إلى التفكير في كيفية وضع ميزانية لعمليات التوظيف الموسعة وباهظة التكلفة للمدرسين الأجانب، مع الالتزام بتعليمات وزارة التعليم والحد الأقصى للرسوم الدراسية. 

 

وعلى الرغم من الارتفاع الحاد في تكلفة توظيف المعلمين الأجانب بعد تعويم الجنيه والحد الأقصى للرسوم الذي أقرته الوزارة، إلا أن المدارس التي استطلعنا آراءها تعتقد أن وجود المعلم الأجنبي ضروري للغاية وما زال يستحق التكلفة المرتفعة على المدرسة وعلى أولياء الأمور.

 

ما هي المدارس التي نتحدث عنها؟ وضع تعريف محدد للمدرسة الدولية ليس دائما واضحا. لذا تم اختيار عينة من 15 من أبرز المدارس الدولية، والمدرجة على موقع الهيئة العامة للاستثمار، والتي تقدم مزيجا مختلفا من المناهج القومية والأمريكية والبريطانية وكذلك الباكالوريا الدولية. تلك المدارس حصلت على اعتمادات عالية المستوى من هيئات دولية خارج مصر والتي تعمل على تحديد مناهجها وبرامجها، حسبما يقول مساعد مدير مدرسة "شدس" الأمريكية بالإسكندرية ماسيمو لاتريزا. 

 

لكن قد يكون تعريف المدارس الدولية أوسع من ذلك بكثير. في عام 2016، قال رئيس قطاع التعليم الخاص والدولي بوزارة التربية والتعليم إن هناك ما يقرب من 260 مدرسة دولية عاملة في مصر، والتي تطبق مناهج غير مصرية. 

 

ويجدر الإشارة أيضا إلى أن بعض تلك المدارس تتبع النموذج الربحي، بينما البعض الآخر هي مدارس أهلية تمتلكها مؤسسات كبيرة لكنها تخضع لتنظيم وزارة التضامن الاجتماعي، كما أن هناك مجموعة محدودة من المدارس تتبع حكومات وسفارات بلدان أجنبية. وتلك المدارس لا تخضع مناهجها لوزارة التربية والتعليم.

 

وبالمثل، فإن تلك المدارس غير مقيدة بالحد الأقصى لزيادة المصروفات أو النص على دفعها بالجنيه المصري. ومن بين تلك المدارس المدرسة الأمريكية بالقاهرة، ومدرسة الليسيه، والمدرسة البريطانية الدولية بالقاهرة، والمدرسة البريطانية الدولية بالقاهرة الجديدة، والمدرسة البريطانية الدولية بالمعادي، ورغم أن تلك المدارس تضم أبناء الجاليات الأجنبية، لكنها تضم أيضا الطلبة المصريين بأعداد كبيرة.

 

من المهم أيضا الإشارة إلى أن المدارس التي نتحدث عنها هي من أغلى المدارس في مصر فيما يتعلق بالرسوم المدرسية. وفقا للأرقام الواردة لعام 2017، فتتراوح المصروفات بتلك المدارس من 85 ألف جنيه تصل لأكثر من 400 ألف جنيه سنويا، بينما المدارس ذات المصروفات الأقل تجد صعوبة في توظيف معلمين أجانب.

 

حساب التكاليف: بالمدارس التي ركزنا عليها، تشكل رواتب ومستحقات المعلمين الجزء الأكبر من التكاليف السنوية. تلك التكاليف وحدها تشكل من 56% إلى 80% من حجم الميزانية التشغيلية السنوية، حسب تصريحات لممثلين بمدارس الكلية الأمريكية بالقاهرة، والمدرسة البريطانية الدولية بالقاهرة، ومدرسة بريتيش كولومبيا الكندية الدولية بالقاهرة، والمدرسة الأمريكية الدولية بالقاهرة، ومدرسة الألسن البريطانية الدولية، ومدرسة شدس الأمريكية بالإسكندرية.

 

وبحسب لاتيرزا يستثنى من ذلك عامة تكاليف توظيف المعلمين، والتي عادة ما تتضمن سفر المسؤولين لمعارض التوظيف حول العالم، وكذلك دفع الرسوم لوكالات التوظيف، وفي بعض الحالات دفع الأموال لمكتشفي التوظيف إذا تم توظيف المعلمين بنجاح.

 

كيف ينعكس ذلك على الرواتب؟ يحصل المعلمون الأجانب في مصر على أعلى الرواتب. وتصل صافي الرواتب في تلك المدارس الدولية لنحو 30 ألف دولار سنويا (481 ألف جنيه) للمعلم الحديث، وتزيد تلك الرواتب حسب الخبرة لتصل إلى 90 ألف دولار سنويا (1.4 مليون جنيه) لمنصب نائب مدير مدرسة أو مدير مدرسة في بعض الحالات. ويتم صرف جميع تلك المرتبات او أغلبها بالعملة الأجنبية. كما يتلقى المعلمين الأجانب كذلك مزايا أخرى مثل السكن أو بدل السكن، والتأمين الصحي، ومساهمات في خطة التقاعد للمعلم الأجنبي في بلده، وبدل سفر سنوي لبلدانهم. 

 

بعض المعلمين المصريين من ذوي المؤهلات الدولية يحصلون على نفس الرواتب مثل أقرانهم الأجانب، لكن دون الحصول على مزايا السكن وغيرها، حسب تصريحات ممثلي المدارس. أما في المدارس الحكومية فالوضع يختلف تماما، إذ يتراوح راتب المعلم سنويا بين 24 ألف جنيه و84 ألف جنيه. أما المدارس الخاصة التي تدرس مناهج مصرية فتقع في منطقة وسط، لكنها أقرب لرواتب المعلمين في المدارس الحكومية منها إلى المدارس الدولية.

 

لكن وعلى الرغم من تلك الرواتب العالية، إلا أن المدارس لا تزال تبحث عن استقطاب المعلمين الأجانب بنفس الوتيرة التي سبقت التعويم. وعلى الرغم من عدم تحديد الراتب حسب الجنسية، إلا أن أغلب المدارس الأجنبية الكبيرة التي تواصلنا معها يشكل المعلمون الأجانب 80% من فريق المعلمين ( ما عدا مدرسة الألسن الدولية يشكل فيها نسبة المعلمين الأجانب 40% تقريبا) يصرح المسؤولون بالمدارس أن تلك المعدلات لا تزال مرتفعة منذ ما قبل عام 2016.

 

لقد ثبتت الكلفة الاقتصادية العالية للأمر على البيئة التنظيمية بعد تعويم الجنيه: تعرضت هذه المدارس لعدد من العوامل الاقتصادية والقرارات التنظيمية التي جعلت من الصعب السعي خلف توظيف المعلمين الأجانب، وهي تعويم الجنيه في نوفمبر 2016 وتحديد وزارة التعليم للحد الأقصى للرسوم السنوية (بحد أقصى 15% في مايو 2017).

 

وتفاقم الأمر عندما حددت الوزارة شرط تحصيل الرسوم المدرسية من الطلاب المصريين بالجنيه بدلا من العملة الأجنبية، وهو قرار كانت قد اتخذته الوزارة قبل قرار التعويم. من جانبه يقول المدير التنفيذي لمدرسة الألسن كريم روجرز، أن المدارس التي تقبل الرسوم، وعلى سبيل المثال، تكبدت المدرسة الأمريكية الدولية خسارة قدرها 60 مليون جنيه في العام الدراسي 2017/2016، في حين تضاعفت التكاليف بالنسبة لمدرسة بريتيش كولومبيا الكندية الدولية.

 

بالإضافة إلى ذلك، فالمنافسة العالمية تجبر المدارس على دفع رواتب عالية بالعملات الأجنبية: يقول روجرز "عندما نعين المدرسين القادمين لمصر، لا نستطيع منافسة دبي ولا قطر ولا الصين مباشرة، التي ترتفع فيها تكلفة المعيشة والرواتب، لذا نعرض رواتب تنافسية توازي الرواتب بأعلى 10 مدارس في مصر".

 

ويوضح لاتيرزا "المدارس الدولية تواجه معضلة.. فهي تريد أن تعرض الرواتب الأعلى طبقا لسوق العمل العالمية والمعلمين في السوق المحلية أيضا، مع الإبقاء على مصاريف الدراسة في حدود المعقول. والموازنة في ذلك أمرا ليس سهل". ويضيف لاتيرزا "فنحن ننافس لجلب معلمين عالميين في سوق للمعلمين العالميين من ناحية، ومن ناحية أخرى ننافس في السوق المحلية لجلب المعلمين الذين تسعى مدارس أخرى لتعيينهم.. فنحن نسعى للمنافسة دون أن نرفع من المصاريف على العائلات".

 

الرواتب العالية والمميزات الأخرى ضرورية للإبقاء على الموظفين: يوضح روجرز "العديد من المدرسين يأتون لتجربة المدارس والبلد لمدة سنتين. فإذا أعجبتهم فهم يستمرون لعامين إضافيين، وإذا استمر ذلك ينقلون حياتهم إلى هنا، ويقومون بشراء شقة أو تأجيرها وشراء سيارة.. لدينا أجانب يعيشون هنا منذ 10 و20 و30 عاما.. لقد بدأ الأمر كذلك".

 

للآباء المستعدين لدفع مصروفات دراسة عالية فإن المدرس الأجنبي هو العامل الذي يجذبهم للمدرسة. وبالنسبة لهذه المدارس الدولية وأخرى مثلها فإن هذه المصاريف ضرورية لجلب والإبقاء على أفضل المدرسين المتاحين. ولا يقلل ذلك من المدرسين المصريين ولكن طبقا للتوقعات فعلى المدرس أن يحمل مؤهلات دولية، وأغلب المعينين الأجانب لديهم خبرة طويلة في المناهج التي تقدمها المدارس.

 

فالمدرسة البريطانية الدولية في القاهرة (BISC) على سبيل المثال، تبحث عن مدرسين كبار ذوى خبرة في تدريس مناهج الشهادة البريطانية والدولية، بينما تبحث مدرسة الأمريكية بالقاهرة (CAC) عن مدرسين لديهم خبرة في المناهج الأمريكية والدولية ومعايير التعليم الأمريكي.

 

ويوضح لاريتزا "أعتقد أن من الافتراضات الضمنية في المجتمع أنك إذا قمت بدفع مصاريف باهظة لإدخال أطفالك، على سبيل المثال، أفضل مدرسة بريطانية في مصر، فإن نسبة كبيرة من المدرسين يجب أن يكونوا بريطانيين". وهذا المفهوم أيضا ردده المسؤولون ممن حاورناهم في المدارس الأخرى وبين المدرسة الأمريكية الدولية.

 

وتحتاج بعض المدارس لتعيين مدرسين أجانب لتستطيع منح الشهادات. فعلى سبيل المثال أمرت وزارة التعليم في مقاطعة بريتيش كولومبيا الكندية مدرسة بريتيش كولومبيا الكندية الدولية في مصر أن تعين مدرسين يحملون شهادة باستكمال برنامج التدريس في المقاطعة ومدته 5 سنوات، وذلك من أجل منحها صلاحية تسليم الشهادات، بحسب كريم مصطفى، رئيس مجلس إدارة ستارلايت التعليمية التي تمتلك المدرسة.

 

ويضيف مصطفى "نحن مدرسة تابعة لمقاطعة بريتيش كولومبيا، فيجب أن يكون لدينا مدرسين معتمدين من المقاطعة". لذلك فيقوم المدرسين المصريين بشرح دروس اللغة العربية والدين والدراسات الاجتماعية فقط. 

 

إذا فكيف تتأقلم هذه المدارس مع الوضع الحالي مع الإبقاء على تشكيلة مدرسيها؟ إذا كنت من آباء الطلبة الملتحقين بتلك المدارس فالإجابة الأولى هي برفع المصاريف، حيث زادت مصاريف بعض المدارس 15% وهي النسبة التي حددتها وزارة التعليم كحد أقصى. ولكن تستخدم المدارس أساليب أخرى لتعويض زيادة التكاليف، ومن ذلك دفع أجور المعلمين بالجنيه المصري.