أثار إعلان هيئة قناة السويس في مصر تخفيض رسوم مرور سفن الحاويات لأكثر من النصف تساؤلات واسعة حول دلالة هذه التخفيضات وتأثيرها على الإيرادات التي تعد أحد أبرز روافد النقد الأجنبي للاقتصاد المصري.

 

وقال مختصون لـ"عربي21"، إن التخفيضات التي أعلنتها هيئة قناة السويس، للسفن القادمة والذاهبة للسواحل الأمريكية بنسبة تصل لـ 65 بالمئة، ليست الأولى في سلسلة التخفيضات التي تقدمها الهيئة، لمختلف الخطوط الملاحية والسفن القادمة من جميع أرجاء العالم منذ افتتاح التفريعة الثانية عام 2016.


وكانت هيئة قناة السويس أعلنت ظهر الاثنين 11 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، عن استمرار العمل بمنشور رقم 2/ 2016، الخاص بالتخفيضات الممنوحة لسفن الحاويات القادمة من الساحل الشرقي الأمريكى والمتجهة مباشرة إلى منطقتى جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، على أن تستمر هذه التخفيضات حتى نهاية النصف الأول من 2020، بنسب تتراوح بين 45 و55 و65%.


وقالت الهيئة في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني، إن الهدف من هذه التخفيضات، هو تحفيز الخطوط الملاحية، وجذب السفن التي تسلك طرقا بديلة، بناء على دراسة تكاليف تشغيل رحلة عبور السفينة بقناة السويس مقارنة مع غيرها من القنوات البديلة.


ويأتي قرار الهيئة بعد توقعات أعلنتها شركة قناة السويس للحاويات المصرية، عن خسائرها المقدرة لعام 2019 والتي تصل إلى 12 مليون دولار، بسبب ضعف التنافسية وارتفاع الأسعار، ورحيل 16 خطا ملاحيا عن ميناء شرق بورسعيد إلى ميناء بيريوس اليونانيمنذ 2017، بسبب ارتفاع الرسوم.

 

 قناة السويس تسجل أعلى إيراد شهري.. كم بلغ؟

تلاعب بالأرقام


من جانبه أكد وكيل لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان المصري السابق أشرف بدر الدين، لـ"عربي21"، أن التخفيض الأخير الذي أعلنته هيئة قناة السويس، ليس الأول من نوعه، ولن يكون الأخير كذلك، وهو ما يشير لأزمة كبيرة تشهدها قناة السويس بعد وجود طرق بديلة مثل رأس الرجاء الصالح، وقناة بنما، وطريق القطب الشمالي الجديد، الذي بدأت روسيا في تشغيله، بالإضافة للطرق الأخرى التي أنشأتها الصين للتخديم على تجارتها في طريق الحرير.


وأشار بدر الدين إلى أن الجانب الآخر الذي تظهره هذه التخفيضات المتتالية، هو فشل مشروع التفريعة الجديدة، التي كانت سببا في أزمة السيولة التي شهدتها مصر، وبسببها لجأت حكومة الانقلاب العسكري لصندوق النقد الدولي، للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار، كان من أهم كوارثه، تحرير سعر الصرف، دون وجود مشروعات اجتماعية واقتصادية تقلل من مخاطره على المجتمع المصري.


ووفق الوكيل السابق للجنة الخطة والموازنة بالبرلمان المصري، فإن العشوائية وغياب التخطيط وغياب دراسات الجدوى، وتعمد إهدار المقدرات المالية للمصريين، تنطبق جميعها على تفريعة قناة السويس، ومشروعاتها التوسعية التي لم يكن الهدف منها إلا الحصول على "الشو الإعلامي" فقط.


واتهم البرلماني السابق، الحكومة المصرية بتعمد التلاعب في الأرقام الخاصة بقناة السويس، والتي تتحدث دائما عن تحقيق فائض أو زيادة في إيرادات القناة بشكل عام، دون توضيح للأرقام التفصيلية للخدمات التي تقدمها الهيئة والتي تشمل المرور والخدمات اللوجستية والشحن والتفريغ والحاويات، كما أنها تتعمد إعلان الإيراد بالجنيه، وتقارنه بالسنوات التي سبقت تحرير سعر الصرف، بمعنى أنها تستفيد من فارق سعر الصرف (ما قبل وبعد 2016)، في التلاعب بالأرقام.


ويتساءل بدر الدين قائلا: "رئيس هيئة قناة السويس السابق، أعلن أن القناة، حققت زيادة في الايرادات خلال السنة المالية 2018-2019، بقيمة 300 مليون دولار، عن الأعوام السابقة، وأن هناك 192 مشروعا باستثمارات 25 مليار دولار في المنطقة الاقتصادية، وأن قيمة الاستثمارات المستهدفة بالمنطقة الاقتصادية خلال الـ 15 عاماً المقبلة، تبلغ 55 مليار دولار، فلماذا لا تتناسب هذه الأرقام مع الإجراءات المتعلقة بالتخفيضات، والتي وصلت لـ 65 % لبعض الحاويات".

 

اقرأ ايضا: خبراء: هكذا يورط "السيسي" مصر في صفقات مشبوهة

فشل سابق


وحسب رأي الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الأسبق ممدوح الولي، فإن سياسة التخفيضات التي تنتهجها هيئة قناة السويس لم تساعد في تنمية موارد القناة، على عكس ما يتم ترديده، خاصة وأن القناة تعاني من أزمة حقيقية أوجدتها التفريعة الجديدة، التي تزامن إنشائها مع تراجع معدلات التجارة الدولية، وهو ما أوقع النظام المصري في مأزق، حتى لا يتم اتهامه بالفشل، وبالتالي لجأ لسياسة التخفيضات المستمرة.


وأكد الولي لـ"عربي21" أنه في ظل منافسة طريق رأس الرجاء الصالح، وقناة بنما، والطرق الدولية الأخري التي ظهرت على الساحة، في إطار التنافس التجاري العالمي، فإن هيئة قناة السويس ترضخ لضغوط الشركات الكبري وتقوم بتخفيض رسوم المرور في محاولة للحفاظ على نسب العبور القائمة، وليس من أجل جذب خطوط ملاحية جديدة.


وأضاف الخبير الاقتصادي قائلا: "المرة الأولى التي رضخت فيها الهيئة لتخفيض الأسعار، كانت عام 2015، بنسبة تخفيض 30 %، للحاويات القادمة من ميناء نيويورك والموانئ الواقعة جنوبه، ثم زادت النسبة للحاويات القادمة من موانئ الشمال الأمريكي بنسبة 45 و55 و65% لبعض الخطوط الملاحية".


وأشار الولي إلى أن هناك تخفيضات أخري تتجاوز 50% تقدمها القناة، للحاويات المرتبطة بطريق الحرير الصيني، كشرط وضعته الصين لاستخدام القناة كمرر دولي في تجارتها، وهو ما يعني في النهاية أن القناة بات عليها تقديم المزيد من التخفيضات، ليس من أجل جذب المزيد من السفن، وإنما للحفاظ على الخطوط الملاحية الموجودة بالفعل، في ظل التنافس العالمي من الممرات المائية الأخرى.