أشارت وكالة رويترز في خبر لها، إلى أن الناتج المحلي الأمريكي ارتفع بمعدل 3.2  في المئة خلال الربع الأول من هذا العام، وجاء هذا الارتفاع عقب الإغلاق الحكومي في بداية هذه السنة، وأيضا ترافق مع حرب تجارية مستعرة بين أمريكا والصين.

وأثار هذا الارتفاع غير المتوقع تساؤلات عن أسبابه على الرغم من وجود معيقات كثيرة أهمها الإغلاق الحكومي وتدهور في الأسواق المالية، وأيضا الحروب التجارية مع الصين.

زيادة الرسوم الجمركية

رد نائب رئيس الوزراء الأردني الأسبق للشؤون الاقتصادية جواد العناني على هذا التساؤل بالقول: "نعم يوجد معيقات قد تعيق النمو، ولكن أيضا هناك ظروف أخرى ساعدت الاقتصاد الأمريكي وتحديدا بدءا من العام الماضي، أهمها عملية إعادة كثير من الصناعات وفرص العمل إلى أمريكا".

وتابع العناني في حديث لـ"عربي21": "جاءت عودة الشركات بعد أن هددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بزيادة الرسوم الجمركية عليها، وساهمت هذه العودة برفع نسبة التوظيف بشكل كبير جدا".

وأشار العناني إلى أن "الاقتصاد الأمريكي لا ينمو من ناحية التصدير فقط، بل أيضا يجب النظر إلى كم يستهلك الناس، فالاستهلاك في الوقت الحاضر هو أكبر محدد لعملية النمو، وهؤلاء الناس أصبح لديهم مداخيل أكثر، من ثم أصبحوا ينفقون أكثر، ولذلك نرى هذا النمو الذي يقوده الاستهلاك في أمريكا في الدرجة الأساسية".

وأضاف: "هناك نقطة أخرى ساهمت في هذا النمو، وهو تقليل أمريكا لاستيرادها الطاقة بشكل كبير، فهي الآن أصبحت تنتج طاقة كبيرة جدا، خاصة بعد ما أوقف ترامب التعامل باتفاقية باريس التي سمحت لواشنطن بالتوسع الكبير في حفر آبار الصخر الزيتي".

وأوضح بأن "هذا القرار ساهم في زيادة الإنتاج الداخلي للطاقة وجعل أمريكا قادرة على التصدير، ولذلك تحسنت أوضاعها في هذا المجال، أيضا يحاول الأمريكيون المحافظة على سعر فائدة متدنية، حيث وضع ترامب ضغوطا على الاحتياطي الفيدرالي لعدم رفع سعر الفائدة، على الرغم من أنهم كانوا ينوون رفعها ربع نقطة على الأقل".

وأردف العناني: "إبقاء سعر الفائدة منخفضا مهم للمستثمرين، الأمر الذي جعلهم يُقبلون أكثر على الاستثمار الداخلي، بهذه الأسباب كلها تغلبت واشنطن على المعيقات مثل الحرب التجارية مع الصين وأيضا لو نظرنا للميزان التجاري بين البلدين لم نجده ينخفض كثيرا".

توطين الشركات

من جهته، أكد استاذ الاقتصاد في جامعة أوكلاند الأمريكية مصطفى شاهين ما قاله العناني، وقال: "يعود ارتفاع النمو في المقام الأول بسبب زيادة الرسوم الجمركية، وهذا الأمر ساعد في عودة الصناعات الأمريكية إلى حيز الإنتاج الداخلي مرة أخرى".

وتابع شاهين في حديث لـ"عربي21": "مثال على ذلك حينما قام ترامب برفع الرسوم الجمركية على صناعتين مهمتين وهما الصلب والألمنيوم، أدى ذلك لزيادة عمل المصانع الأمريكية، من ثم زيادة الرسوم الجمركية على البضائع الواردة ساهم في إعادة توطين الصناعات الأمريكية مرة أخرى".

وأكمل: "أما السبب الثاني، فهو خفض الحكومة للضرائب على الشركات، بحيث أصبحت الآن تقريبا 21 في المئة، وهذا التخفيض شجع بشكل كبير الشركات الأمريكية على العودة للعمل في أمريكا وإعادة الإنتاج هناك مرة أخرى، وأيضا زيادة توظيف العمالة الأمريكية".

وأشار إلى أن "عملية توطين الشركات تزامنت مع انخفاض في البطالة بمعدل 3.2، وهذا الانخفاض لم يحدث منذ ستينيات القرن الماضي".

مساهمة ضئيلة جدا

ووقعت واشنطن مع الرياض العام الماضي على صفقات تجارية وعسكرية بقيمة 400 مليار دولار تقريبا، منها 110 مليار دولار كصفقات أسلحة، مما دفع للتساؤل حول إذا ما ساهمت هذه الاتفاقيات التجارية في رفع نمو الناتج المحلي الأمريكي أم لا؟

أكد شاهين أنه "حتى هذه اللحظة لا يمكن التيقن بأن هذه الأموال دخلت فعليا للحكومة الأمريكية"، مضيفا: "بلا شك هذه الصفقات ستساهم في زيادة قدرة الصناعات الأمريكية والمصانع العسكرية وتوفر فرص عمل، ولكن لا يمكن الآن عزو هذا النمو على هذه الصفقات".

وأوضح بأنه "قد يكون لهذه الصفقات تأثير بسيط، ولكن لا يصل لدرجة رفع نمو الناتج المحلي ككل، ولا نستطيع أيضا القول بأن الصفقات تمت ويجب أن نحلل ونرى كم صفقة تم تنفيذها قبل الحديث عن تأثيرها على الاقتصاد الأمريكي".

صفقات لم تُنفذ

بدوره عبر الخبير الاقتصادي جواد العناني عن رأيه بأن هذه الصفقات حتى لو ساهمت في رفع نمو الناتج المحلي الأمريكي، فإن مساهمتها لن تكون بهذا القدر الكبير.

وأضاف: "الكثير من هذه الصفقات لم يتم تنفيذه حتى الآن، منها مثلا 110 مليار دولار صفقات سلاح، وما يزال كثير من هذه الأسلحة  لم يصادق عليها الكونغرس حتى الوقت الحاضر".

وأوضح بأن "جزءا من الصفقات عبارة عن بناء مفاعلات نووية في السعودية بهدف توليد الكهرباء"، مشيرا إلى أن  "كثيرا من أعضاء الكونغرس يقاومون هذه الصفقة، ويقولون إنه يجب ألا نضع القدرة النووية بيد السعودية، وخاصة الحزب الديمقراطي وحتى بعض الجمهوريين يقولون ذلك، من ثم حتى الآن لم تساهم بهذا الشكل الكبير".

خفض الإنفاق العسكري

ولفت العناني إلى أن هناك أمورا أخرى ساهمت في هذا النمو: "على سبيل المثال أمريكا الآن قللت إنفاقها العسكري، وجعلت حلفاءها يتحملون المزيد من هذا الإنفاق، على سبيل المثال اليابان وألمانيا ومجموعة الناتو والاتحاد الأوروبي، حيث أصبح هؤلاء يشاركون بنسب أعلى من السابق إ ذكان العبء الأكبر يقع على أمريكا، وانتقل جزء من هذا العبء عليهم، وأيضا السعودية تساهم في دفع نفقات العسكريين الذين يساعدونها في حربها باليمن أو بالدفاع عنها".

لا تضخم

وأكد الخبيران أنه لا خوف من تأثير التضخم على هذا النمو، حيث أكد العناني أنه "رغم ارتفاع النفط خلال الربع الأول من هذا العام الذي قد يسبب التضخم، إلا أنه أدخل مداخيل إضافية على أمريكا، وأيضا ضغطت واشنطن على السعودية والإمارات لزيادة إنتاجهما من النفط لتعويض النفط الإيراني والفنزويلي، وهذا الأمر ساهم في ضبط التكاليف حتى لا يحدث ارتفاع في الأسعار، ومن ثم لا يحدث تضخم".

بدوره قال الخبير الاقتصادي مصطفى شاهين: "معدل التضخم في أمريكا منخفض ولم يتجاوز حتى هذه اللحظة 2 في المئة، بل إن انخفاض أسعار البترول ساهم في انخفاض معدل التضخم".
وحول إمكانية استمرار هذا النمو قال شاهين: "إذا اتخذ ترامب إجراءات أشد في حربه التجارية مع الصين واستمرت عودة الاستثمارات لأمريكا، أتوقع أن يزداد النمو في الفترة المقبلة".