أكد مركز الأزهر العالمى للفتوى الإلكترونية، أن تبرع المُتعافين من كورونا بالبلازما واجبٌ، والامتناعُ عنه بغير عذرٍ لا يجوز شرعًا ويأثم المُمتنع.

وقال المركز فى فتوى له اليوم:"الحَمْدُ لله، والصَّلاة والسَّلام عَلى سَيِّدنا ومَولَانا رَسُولِ الله، وعَلَى آله وصَحْبِه ومَن والَاه، وبعد؛ ففى ظلِّ سّعى البشريّة الدؤوب؛ للوصول لعلاج أو لقاح يُنهى أزمةَ جائحة فيروس كورونا، ويخفِّف آلام المُصابين به؛ دعت الأجهزة الطَّبية المُتعافين من هذا الدّاء للتَّبرع ببلازما دَمِهِم لمساعدة المُصابين؛ سيَّما الحالات الحرِجة منهم؛ نظرًا لما تحتوى عليه بلازما المُتعافى من أجسام مُضادَّة للفيروس قد تُسهِم بشكل كبير فى تحسن تلك الحالات؛ خاصّة مع الشَّواهد البحثيَّة فى العديد من دول العالم.

وتابع المركز فى الفتوى:"وإنَّ استجابة المُتعافين لهذه الدَّعوة واجبٌ كفائى أن حصل ببعضهم الكفاية، وبرئت ذمتهم، وإنْ لم تحصل الكفاية إلَّا بهم جميعًا تعيَّن التَّبرع بالدم على كل واحد منهم وصار فى حقِّه واجبًا ما لم يمنعه عذر، وإنْ امتنع الجميع أَثِم الجميع شرعًا؛ وذلك لِمَا فى التَّبرع من سعى فى إحياء الأنفس، وإحياء نفسٍ واحدةٍ عند الله سُبحانه كإحياء النَّاس جميعًا، قال سُبحانه: {..وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا..}. [المائدة: 32]

فضلًا عمَّا فى التّبرع من اتصافٍ بحسْن الخُلق، والجُود، والمروءة، ونَفْع الخَلق، وقضاء حوائج العباد، والمحافظة على حياتهم، وحبّ الخير للناس، وكل هذه عبادات عظيمة فى الإسلام، قال ﷺ: «ولأنْ أَمْشِى مع أَخٍ لى فى حاجَةٍ أحبُّ إلى من أن اعْتَكِفَ فى هذا المسجدِ -يعنى مسجدَ المدينةِ- شهرًا» [أخرجه الطبرانى فى الأوسط]، وقال ﷺ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنكُم أن يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» [أخرجه مسلم]، وقال ﷺ لأحد صحابته: «أَتُحِبُّ الْجَنَّةَ؟» قال: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ». [أخرجه أحمد]

إضافةً إلى أن التبرع بالبلازما للمصابين نوع من الشَّكر العملى على نعمة العافية بعد البلاء، والشّفاء من عُضال الدّاء، قال سُبحانه: {..اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِى الشَّكُورُ} [سبأ: 13]، وقال ﷺ: «صَنائِعُ المعروفِ تَقِى مَصارعَ السُّوءِ». [أخرجه الطبرانى فى الأوسط]

 

وأضاف:"أما امتناع المُتعافى عن التَّبرع مع قُدرته فشُحُّ نفسٍ، وضعف يقين، وأَثَرة وأنانية، ولا شك هى أمور مذمومة، مذموم من اتصف بها آثم، قال سبحانه: {أَرَأَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ . فَذَلِكَ الَّذِى يَدُعُّ الْيَتِيمَ . وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ . فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ . الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ . وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 1-7]، قال القرطبي: (قال الماوردي: الْمَعُونَةُ بِمَا خَفَّ فِعْلُهُ وَقَدْ ثَقَّلَهُ اللَّهُ) [تفسير القرطبى (20/ 214)]، ولا شك أن منع البلازما بغير عذر من منع الماعون.

وذَكر ﷺ من بين ثَلَاثَة لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فيَقولُ اللَّهُ: اليومَ أَمْنَعُكَ فَضْلِى كما مَنَعْتَ فَضْلَ ما لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ. [متفق عليه]، والممتنع عن بذل ماء فائض عن حاجته لمن يحتاجه جازاه الله تعالى بأن منع عنه فضله ورحمته، والامتناع عن التبرع بالبلازما دون عذر أولى بالذمِّ من البخل بالماء؛ لأنه الماء مهما عزَّ يمكن الوصول إليه؛ بينما بلازما المُتعافين لا يمكن الوصول إليها إلَّا من خلالهم.

واختتم مركز الأزهر العالمى للفتوى الإلكترونية قائلًا:"وإذ يُبيّن حكم تبرع المُتعافين بالبلازما يهيب بهم جميعًا أن يتنافسوا فى أداء هذه الفريضة ونيل أجرها العظيم؛ فقد اختصهم الله سبحانه بفضله، وشملهم بلطفه، وجزاء الإحسان عند الله إحسان، ونسألُ الله أن يَحفَظَنَا وبِلادَنا مِن كلِّ مَكرُوهٍ وسُوء، وأنْ يرفعَ عنَّا وعَن العَالَمينَ البَلاءَ، وأن يَمُنَّ علىٰ كُلِّ مُصَابٍ بالشِّفَاءِ، إِنَّه سُبحَانَه ذو فَضْلٍ وكَرَمٍ ونَعْمَاء".